البحوث و المقالات 

 الصور 

 الاخبار 

بيان استنكار وإدانة لقرار اسقاط الجنسية البحرينية عن سماحة الشيخ عيسى قاسم من المركز الاسلامي

البيان الختامي للمؤتمر التاسع لمنتدى الوحدة الاسلامية: نحو وعي مجتمعي لمستلزمات النهضة الحضارية

مولوي عبد الحميد : المشتركات بين السنة و الشيعة كثيرة، و الاختلاف ضئيل وهامشي

في احتفالية الذكرى السنوية 37 لانتصار الثورة الاسلامية في ايران الشيخ الشمالي: انتصار الثورة الاسلامية في عام 1979م كان انجازاً لجميع المتدينين في العالم

جانب من وقائع المؤتمر الصحفي لسماحة الشيخ الدكتور الشمالي (رئيس المركز الاسلامي في انجلترا)

كلمة سماحة آية الله الشيخ محسن الاراكي في المنتدى الاسلامي الدولي11، ألقاها بالنيابة الدكتور علي رمضان الأوسي

مؤتمر صحفي تحت عنوان: (نداء السلم و المحبة في مواجهة التطرف والعنف في كل مكان) في المركز الاسلامي في انجلترا

دعوة عامة لکتابة البحوث و المقالات حول الأزمات الراهنة في العالم الإسلامي لتقديمها في المؤتمر الدولي (29) للوحدة الاسلامية في طهران

شيخ الازهر يدعو آية الله مكارم شيرازي للمشاركة في "ملتقى تحريم اصدار فتاوی قتل المسلمين"

البيان الختامي لاجتماع مجمع أهل البيت (ع)

مشروع الوحدة الإسلامية ثقافياً وسياسياً/آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي


الوحدة الإسلامية مشروعنا الثقافي والسياسي والاقتصادي الحاضر والمستقبلي.وهذا المشروع الإسلامي العالمي هو المشروع المؤهل لمواجهة التحديات الحضارية والسياسية والاقتصادية الكبيرة التي يواجهها العالم الإسلامي اليوم.مشروع الوحدة الإسلامية ثقافيا وسياسيا

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَلاَتَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(الأنفال: 46).

مشروع الوحدة الإسلامية

الوحدة الإسلامية مشروعنا الثقافي والسياسي والاقتصادي الحاضر والمستقبلي.وهذا المشروع الإسلامي العالمي هو المشروع المؤهل لمواجهة التحديات الحضارية والسياسية والاقتصادية الكبيرة التي يواجهها العالم الإسلامي اليوم.
وهو في نفس الوقت يحمل بالمقابل، مشروعا للتحدي على مستوى العالم … فهو مشروع مزدوج للتحدي ومواجهة التحدي، غير أن مشروع التحدي الإسلامي، يحمل للبشرية خيرا كثيرا، بعكس المشاريع الغربية في تحدي العالم الإسلامي الذي يحمل للمسلمين خرابا وفسادا حضاريا وثقافيا وتبعية سياسية واقتصادية.
وهذا المشروع يحتاج إلى دراسة كثيرة وتخطيط شامل من قبل المفكرين والعلماء والمثقفين الإسلاميين، وليس خطابا إنشائياً وشعارا، وإنّما هو مشروع عمل ثقافي وسياسي وفقهي واقتصادي واجتماعي وأخلاقي.

الجماعة المؤمنة من منازل رحمة الله

لرحمة الله تعالى منازل في حياة الامم والافراد فاذا عرف الناس منازل رحمة الله في حياتهم الاجتماعية طلبوها وسعوا اليها.
ومن هذه المنازل التوحيد والايمان والاخلاص والتقوى والتعاون والتحابب …
ومن هذه المنازل اجتماع المسلمين.

عن رسول الله (ص): يد الله على الجماعة، والشيطان مع من خالف الجماعة يركض .
ان يد الله قوة ونور في حياة الناس.
فاذا كانت يد الله على الجماعة كانوا اقوياء ومستبصرين بنور الله لا يضعفون ولا يتيهون.
ان القوة الحاصلة بالجماعة ليست حالة كمية حاصلة من تجمع الايدي تجمعاً كميّا، وانما هي حالة كيفية حاصلة من امداد الله تعالى ورعايته لهم وهدايته إيّاهم، وإغاثته لهم ونصره إياهم، وإنقاذه تعالى لهم من الازمات والكرب.
ان تجمع المؤمنين يقترن دائما بمعية الله تعالى (يد الله على الجماعة) واختلاف الناس وانفراطهم عن الجماعة المؤمنة يقترن دائما بمعية الشيطان (والشيطان مع من خالف الجماعة).
ان يد الله عاصمة لجماعة المؤمنين، تعصمهم عن الضلال والتيه والضياع، فاذا شذ احدهم عنهم، فقد خرج عن دائرة عصمة الله، فكان من نصيب الشيطان.
عن رسول الله (ص): "يد الله على الجماعة، فاذا اشتذ الشاذ اختطفه الشيطان، كما يختطف الذئب الشاة الشاذة من الغنم" .

الجماعة الموجهة الراشدة

واقصد بالجماعة الجماعة الهادية الراشدة، على صراط الله المستقيم، على هدى الكتاب والسنّة الشريفة، مثل اجتماع المؤمنين للجهاد، والصلاة، والجمعة، والدعاء، والتشاور، والتزاور، والتعاون، وذكر الله تعالى، والتذكير بسيرة صالح المؤمنين، ومن قبيل الاجتماعات التي يعقدها المؤمنون للاعتراض، والاحتجاج على الظالمين وسلوكهم وظلمهم واستبدادهم. هذه الاجتماعات هي الاجتماعات الهادية الراشدة الموجهة التي تستنزل رحمة الله، وتهبط عندها الرحمة من عند الله تعالى.
ولا اقصد بـ (الجماعة) الجماعات الشاذة التي تلتف حول البدع وتشذ عن الصراط المستقيم، وعن الكتاب وسنة رسول الله (ص) واهل بيته (ع) من بعده، الذين اعلنهم رسول الله (ص)، بأمر الله تعالى، عِدلاً للكتاب، من بعده، وامناء على الكتاب والسنة.
ولست اقصد بالجماعة الجماعات الغوغائية غير الموجهة، اتباع كل ناعق، الذين يميلون مع كل ريح، كما يقول أمير المؤمنين (ع) لكميل.
يقول كميل بن زياد اخذ علي بن ابي طالب (ع) بيدي ذات يوم واخرجني الى (الجبانة) وجلس وجلست ثم رفع رأسه إليّ فقال (ع): يا كميل احفظ ما اقول لك: الناس ثلاثة علام ربّاني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، اتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا الى ركن وثيق .
وفي هذه الكلمة الجماعة الموجهة الراشدة هي الاولى والثانية، واما الثالثة فهي الجماعة الغوغائية غير الموجهة اتباع كل ناعق، حتى لو كانت كثيرة.
الجماعة الاولى هم اصحاب العلم والمعرفة، الربانيون، الذين آتاهم الله المعرفة والبصيرة.
والجماعة الثانية هم الذين يهتدون بهدى اصحاب المعرفة، ويستنيرون بضوء معرفتهم.
هؤلاء واولئك جماعات راشدة موجهة.
واما الطائفة الثالثة فلم يستضيئوا بنور العلم، ولم يركنوا الى ركن وثيق من ارباب العلم والمعرفة.
يصفهم الامام (ع) باوصاف ثلاثة.
فيصفهم اولا بانهم همج رعاع، وشريحة اجتماعية غوغائية.
(اتباع كل ناعق) ينقادون لكل نداء ونعيق بسهولة، من غير تردد وتفكير وتأمّل وتوقف، كما يصنع العقلاء من الناس.
(يميلون مع كل ريح) ليس لهم وزن في ميزان الآراء والمواقف. وهذه هي الحالة الاجتماعية العائمة، التي تجري مع كل ريح وموج من ذات اليمين الى ذات الشمال.
(لم يستضيئوا بنور العلم) وهم الجماعة الاولى الذين آتاهم الله تعالى العلم والمعرفة.
(ولم يركنوا الى ركن وثيق) وهم الجماعة الثانية الذين يتبعون اصحاب العلم والمعرفة ويركنون ويلجأون اليهم.
هذه الجماعة، هي الجمهور الغوغائي العائم، غير الموجه، وغير الراشد، وهي ليست الجماعة الراشدة التي تستنزل رحمة الله تعالى وان كثرت.
سُأل الإمام علي (ع) عن تفسير (السنّة) و(البدعة) و(الجماعة) و(الفرقة).
فقال: "السنة والله سنة محمد صلى الله عليه وآله والبدعة ما فارقها، والجماعة، والله مجامعة اهل الحق، وان قلّوا، والفرقة مجامعة اهل الباطل وان كثروا" .
وعن الامام الصادق(ع): "سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جماعة امته فقال: جماعة امتي اهل الحق وان قلّوا" .
وقيل لرسول الله (ص) ما جماعة امتك؟ قال: من كان على الحق، وان كانوا عشرة .
هذه (الجماعة) هي الجماعة الهادية الراشدة والموجهة التي تستنزل رحمة الله تعالى وبركاته.

مشاهد من اجتماع المؤمنين

يستعرض امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) مشاهد من التاريخ من (الوحدة) و(الفرقة) في اهل الكتب، وفي بني اسماعيل وبني اسحق وبني اسرائيل.
ويذكرنا بما انزل الله تعالى عليهم من بركاته ورحمته يوم كانت ايديهم مجتمعة، وقلوبهم مؤتلفة … فلما ان تفرقت كلمتهم وتشتت صفهم، وتخالفت قلوبهم اذهب الله عنهم ما انزل عليهم من رحمته وبركاته، واوكلهم الى انفسهم.
يقول (ع) : فانظروا كيف كانوا حيث كانت الاملاء مجتمعة والاهواء مؤتلفة، والقلوب معتدلة والايدي مترادفة، والسيوف متناصرة، والبصائر نافذة والعزائم واحدة.
الم يكونوا اربابا في اقطار الارضين وملوكا على رقاب العالمين؟
فانظروا الى ما صاروا اليه في آخر امورهم، حين وقعت الفرقة، وتشتتت الالفة، واختلفت الكلمة والافئدة، وتشعبوا مختلفين، وتفرقوا متحاربين.
فقد خلع الله عنهم لباس كرامته، وسلبهم غضارة نعمته، وبقي مقص اخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين.
فاعتبروا بحال ولد اسماعيل، وبني اسحق وبني اسرائيل. فما اشد اعتدال الاحوال، واقرب اشتباه الاقبال.
تأملوا امرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الاكاسرة والقياصرة اربابا لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق، وخضرة الدنيا الى منابت الشيح ومهافي الريح ونكد المعاش .

عناصر الوحدة

الوحدة (اصل)، و(فقه)، و(أخلاق) و(آليات علمية وعملية)، وما لم تجتمع هذه النقاط جميعا في هذا المشروع لا يستطيع أن يحقق هذا المشروع الكبير على وجه الأرض أهدافه الكبيرة.
وسوف أتحدث إنشاء الله عن هذه النقاط الأربعة في مشروع الوحدة بإيجاز واختصار.

1 ـ تأصيل الوحدة

الوحدة، في الإسلام، في المجتمع الإسلامي (أصل) ومعنى الأصل انه أساس ومعيار علمي وعملي للتعامل مع مواضع الاختلاف العلمي والفكري والسياسي والاقتصادي.
فكلما واجهنا في حياتنا العملية أو السياسية أو الاقتصادية موضعا من مواضع الخلاف … كان الوحدة أصلا ومنهجا في التعامل مع نقاط الخلاف … وليس معنى ذلك إلغاء الخلاف، والرأي والاجتهاد المخالف، فان ذلك أمر غير ممكن وغير صحيح … ولكن لابد من التعامل مع نقاط الخلاف العلمي والعملي والسياسي بين المسلمين بمنهجية علمية وعملية … والوحدة هي هذه المنهجية العلمية والعملية للتعامل مع مواضع الخلاف بين المسلمين.
والقرآن الكريم يقرر هذا الأصل بوضوح في اكثر من موضع.
يقول تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ} .
{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} .
{وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيب} .
والإِختلاف (أمر واقع) والوحدة (اصل) ويجب أن نتعامل مع هذا الأمر الواقع بهذا الأصل. نحن عندما نتعامل مع المسائل الخلافية في العقائد والفقه، لا نأخذ فقط الدليل بنظر الاعتبار ونلغي كل أمر آخر.إن المنهج الصحيح أن نأخذ بالأمرين معا بالرأي والدليل والحجة، ونأخذ اصل الوحدة أيضا بنظر الاعتبار في طريقة التعامل مع الاختلاف في الرأي والفهم.
الاختلاف حقيقة واقعة لا يمكن نفيها ولا يصح إنكارها. والاختلاف في الرأي والدليل والاجتهاد أمر واقع لا يصح التنازل عنه، لان التنازل عنه تنازل عن الرأي والدليل. والتنازل عن الرأي والدليل لا يصحّ إلا إلى دليل وحجة ورأي قائم على الدليل والحجّة.
ولكن إلى جنب هذا الاختلاف وضع الإسلام (أصلا) في طريقة التعامل مع الاختلاف وهو (اصل الوحدة) وهذه مسألة على درجة كبيرة من الأهمية: كيف نتعامل مع الاختلاف في الرأي. هل يجوز أن يطرد بعضنا بعضا، إذا اختلفنا في الرأي؟ وهل الاختلاف في الرأي (في الفقه والأصول والسياسة) بمعنى التقاطع، والرفض، والطرد، والنفي، أم بمعنى الحوار والتفاهم؟.

2 ـ فقه الوحدة:

قلنا إن الوحدة (اصل) و(فقه) و(أخلاق) (آليّات علميّة وعمليّة). وقد تحدثنا عن (أصل الوحدة) وها نحن نتحدث عن (فقه الوحدة).
للوحدة فقه وقانون، وهذا الفقه نابع من ذاك الأصل.
فقه الوحدة، تنظيم فقهي لأمر التعايش الفقهي بين المسلمين.
والتعايش الفقهي من ضرورات الحياة الاجتماعية.
فان المجتمعات الإسلامية تجمع بين مذاهب فقهية مختلفة في العبادات والأحوال الشخصية والمدنية والقضاء والعقود، ولا يجتمعون على فقه واحد، وفي فقه أهل البيت أحكام خاصة بـ (التعايش الفقهي) اذكر منها ثلاث قواعد:

أ ـ قاعدة التقية: وهي أن يلتزم المسلم الذي يتبع مذهب أهل البيت بأحكام فقه المذاهب السنية في العبادات، فيصلي بصلاتهم، ويفطر في العيد الذي يفطر سائر المسلمين وان اختلف في تشخيص العيد، إذا تعذر عليه الصيام في ذلك اليوم ثم يقضي ذلك اليوم.
ويلتزم باليوم الذي يعلنونه للوقوف، وان اختلف رأيه عنهم في تشخيص اليوم الذي يجب الوقوف في عرفة.
والتقية لم تشرع فقط لحالات الخوف من بطش الحكام واضطهادهم وظلمهم
وإنما شرعت من اجل توحيد مظاهر العبادة وتأليف القلوب والاحتفاظ بوحدة صيغ العبادة ومظاهرها.

ب ـ قاعدة الإلزام والالتزام: وهذه قاعدة أخرى في التعايش الفقهي بين المسلمين وخلاصة هذه القاعدة أمران:

1 ـ الالتزام الفقهي بصحة العقود والمعاملات التي تتم فيما بين أهل المذهب المخالف لمذهب أهل البيت (ع). فلو صح عندهم الطلاق، صح الزواج من المرأة المطلقة عندهم، بموجب المذهب الفقهي الذي يذهبون إليه، وان كان هذا الطلاق غير صحيح عندنا، وإذا صح الميراث في بعض مذاهب أهل السنة في بعض الموارد، مما لا يتفق ومذهب أهل البيت (ع) في الفقه … اعتبرنا (الوارث) في ذلك المذهب مالكا لما ورث عندهم، وان لم يكن وارثا بموجب مذهب أهل البيت (ع)، وصح عندنا الشراء منه، وان كان لا يعد مالكا حقيقة عندنا في مذهب أهل البيت (ع) … وهذا هو أحد معنيي قاعدة (الإلزام والالتزام) وهي من أهم قواعد فقه الوحدة.

2 ـ الأمر الثاني في هذه القاعدة: إلزام اتباع المذاهب الأخرى بما يصح في مذهبهم في التعامل المشترك بين اتباع مذهب أهل البيت (ع)، واتباع ذلك المذهب.
فإذا مات شخص من مذهب آخر غير مذهب أهل البيت (ع) وكان يرثه فرد من مذهب أهل البيت (ع)، وهو لا يرثه بموجب مذهب أهل البيت (ع) ويرثهم بموجب مذهب المورث … صح للوارث (الشيعي)أن يرث المورث (السني) بموجب المذهب الفقهي للمورّث … بموجب هذه القاعدة. إذن هذه القاعدة من أهم عناصر (فقه الوحدة) يصحح التعامل المشترك بين اتباع المذاهب المختلفة ومذهب أهل البيت (ع) وهي قاعدة شريفة جليلة تحقق جوا سليما للتعايش الفقهي بين المسلمين.
إن التعايش الوحدوي والسليم في المجتمع الإسلامي بين المذاهب الإسلامية الفقهية مسألة في غاية الأهمية … فلابد أن يعيش المسلمون بعضهم مع بعض ولهذه المعايشة فقه وأصول وأخلاق. وقاعدة الإلزام والالتزام من تلك القواعد الفقهية التي توفر الجو الفقهي الشرعي للتعامل المشترك في المسائل المختلف فيها بينهم فقهيا في المعاملات والأحكام الشخصية.

ج ـ قاعدة الحصانة والحرمة:

والقاعدة الثالثة في فقه الوحدة " حصانة المسلم " وهي قاعدة شريفة جليلة من قواعد الفقه الإسلامي. وإذا كانت قاعدة (التقية) و(الإلزام) تخص فقه أهل البيت (ع)، فان قاعدة حصانة المسلم وحرمته تعم جميع المذاهب الفقهية في الإسلام. واليك توضيحا إجماليا موجزا لهذه القاعدة.
يمنح الإسلام، المسلم ـ من أي مذهب ما لم يتنّكر لضرورات الدين أصولا وفروعا ـ حصانة. ولا يحق لأحد أن ينال منه إلا بحق.

حرمة المسلم اعظم من حرمة الكعبة:

يقول عبد الله بن عمر: رأيت رسول الله (ص) يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك. ما أعظمك واعظم حرمتك. والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن اعظم عند الله حرمة منك .
واستقبل الإمام الباقر (ع) الكعبة وقال: الحمد لله الذي كرمك وجعلك مثابة للناس وأمنا. والله لحرمة المؤمن اعظم حرمة منك .

حرمة المسلم اعظم الحرمات:

يقول أمير المؤمنين (ع): وفضَّل حرمة المسلم على الحُرَم كلها، وشدَّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها. فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب .
كل المسلم على المسلم حرام:
وهذه الحصانة شاملة.
عن رسول الله (ص): "المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذّبه ولا يخذله. كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه" .
وروى احمد في المسند عن رسول الله (ص): "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" .
"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله. كل المسلم على المسلم حرام" .
وعن انس بن مالك عن رسول الله (ص): "من استقبل قبلتنا وصلى صلاتنا واكل ذبيحتنا فله مالنا وعليه ما علينا" .
وروى الإمام موسى بن جعفر‘ عن رسول الله (ص): "إن الله جعل الإسلام دينه، وجعل كلمة الإخلاص حصنا له، فمن استقبل قبلتنا وشهد شهادتنا واحل ذبيحتنا فهو المسلم له مالنا، وعليه ما علينا" .

الإسلام يحصن الدماء:

عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله إلا الله، فإذا قالوا لا اله إلا الله عصموا منّي دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله" .
روى مسلم في الصحيح عن أسامة بن زيد انه قال: "بعثنا رسول الله(ص) في سرية، فأدركت رجلا فقال لا اله إلا الله فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي(ص) فقال رسول الله(ص): أقال لا اله إلا الله وقتلته. قلت: يا رسول الله: إنما قالها خوفا من السلاح. قال افلا شققت عن قلبه حتى تعلم اقالها ام لا. فما زال يكرّرها عليّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ" .

3 ـ أخلاقية الوحدة:

قلنا أن الوحدة ليست شعارا ولا أمنية وإنّما هو مشروع عمل، وفقه، وأصل، وأخلاق و(آليات علميّة وعمليّة).
ونتحدث الآن عن أخلاقية الوحدة.
للوحدة أخلاقية كما أن للتفرقة والخلاف أخلاقية أخرى.
من أخلاقية الوحدة (الألفة) و(الرفق) و(المداراة) و(العفو) و(المسامحة) و(اتباع الحق) و(التجرّد من العصبية).
وأخلاقية الاختلاف والفرقة (الحسد) و(المشاكسة) و(اللجاج) و(العناد) و(الغضب).
في دعاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) الاستعاذة بالله من أخلاقية الخلاف والفرقة وإليك هذا الدعاء:
"اللهم إني أعوذ بك من هيجان الحرص وسورة الغضب ، وغلبه الحسد وضعف الصبر ، وقلة القناعة ، وشكاسة الخلق ، وإلحاح الشهوة ، وملكة الحمية ، ومتابعة الهوى ، ومخالفة الهدى ، وسنة الغفلة ، وتعاطى الكلفة ، وإيثار الباطل على الحق ، والاصرار على المأثم ، والاستكثار من المعصية ، والإقلال من الطاعة ، ومباهاة المكثرين ، والإزراء على المقلين ، وسوء الولاية على من تحت أيدينا ، وترك الشكر لمن اصطنع العارفة عندنا ، وأن نعضد ظالما ، أو نخذل ملهوفا ، أو نروم ما ليس لنا بحق ، أو نقول بغير علم . ونعوذ بك أن ننطوي على غش لأحد ، وأن نعجب بأموالنا وأعمالنا ، وأن نمد في آمالنا" .
ومن أخلاق الوحدة التجرّد والتحرّر من العصبية والالتزام بالحق، كما أن من أخلاق الخلاف والفرقة (العصبية).
قال رسول الله (ص): ليس منّا من دعا إلى عصبية، أو قاتل على عصبية .
وقال الإمام الصادق (ع):
من تَعصَّب أو تُعُصِّبَ له، فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه .
من تعصّب عصبه الله بعصابة من نار .
ومن أخلاق المؤمن التحرّر من الانفعال والغضب.
عن رسول الله(ص): لا يقبل الباطل من صديقه ولا يرد الحق على عدوه .
وعن الامام علي (ع): إنّ أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحقّ أحبّ إليه وان نقصه وكرثه ، من الباطل وان جرّ إليه فائدة وزاده .
وعن الإمام الصادق (ع): إنما المؤمن الذي إذا سخط لم يخرجه سخطه من الحق، والمؤمن إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، والمؤمن الذي إذا قدر لم يتعاط ما ليس له .
ويقول (ع): إن من حقيقة الإيمان أن تؤثر الحق وإن ضرّك، على الباطل وان نفعك .
من أخلاق الفرقة البطش وسوء المعاشرة.
ومن أخلاق الوحدة الألفة والرفق.
يقول الإمام الصادق (ع) : إنّ امارة بني أمية كانت بالسيف والعَسْف والجور، وإنّ إمامتنا بالرفق والتآلف والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع والاجتهاد .
إن للوحدة أخلاقية خاصّة تحضّر الجو الأخلاقي للتعايش والتفاهم بين المسلمين.
وللتعايش بين المسلمين أعراف وأصول أخلاقية لابدّ منها ولا يتحقق من دونها.
ولا يمكن الانفتاح والتعاون والتعاطي والتعامل والتعايش المشترك بين المسلمين من دون هذه الأخلاقية، كما لا يمكن أن يحقق المسلمون الغايات والأهداف الكبيرة لهذا الدين على وجه الأرض ولا يمكنهم مواجهة التحديات الكبيرة السياسية والثقافية والاقتصادية ما لم يتمكنوا أن يحققوا هذا الجو الذي لا بد منه من التعايش والانفتاح والتعامل المشترك والتفاهم والتعاون.

التواصل والتعايش بإحسان مع عامة المسلمين:

ولأهل البيت (ع) اهتمام بالغ بهذه النقطة. فلا يرضون لشيعتهم أن يعزلوا أنفسهم عن الوسط العام للأمّة الإسلامية الكبيرة، فهم جزء لا يتجزأ من هذه الأمّة، والاختلاف في الأصول والفروع والانتماء والولاء يجب أن لا يؤدي إلى التقاطع مع سائر المسلمين … فان هذه الأمة بكل اتجاهاتها ومذاهبها أمة واحدة، {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} . وتعتبر قوة كبرى على وجه الأرض، وتواجه تحديات كبيرة، ولا تستطيع أن تواجه وتتجاوز هذه التحديات ما لم تواجهها أمة واحدة بموقف واحد، وفي صف واحد.
وقد كان أئمة أهل البيت (ع) يعيشون معهم وفي أوساطهم، ويجتمع إليهم المسلمون من كافة المذاهب والاتجاهات، ويحضرون مجالسهم ويأخذون منهم العلم، ولو أحصينا أهل العلم الذين أخذوا العلم عن الإمام الباقر والصادق‘ لوجدناهم أمة كبيرة من أهل العلم، وكانت مجالسهم ومحاضرهم عامرة بفقهاء المسلمين وحملة الحديث النبوي وأهل العلم من كل اتجاه ومن كل بلد … وهذه الحالة يعرفها جيدا من يعرف حديث أئمة أهل البيت (ع) وسيرتهم، وهي تعبّر عن حالة الانفتاح والتعايش المذهبي الإيجابي السليم مع كل الاتجاهات والمذاهب الإسلامية. في الوقت الذي كان أهل البيت (ع) يرسمون ويوضحون لشيعتهم وللمسلمين عامّة الخط الفكري الصحيح في الأصول والفروع بوضوح وصراحة وبشكل دقيق ومن غير مجاملة.
وفي أحاديث أهل البيت (ع) دعوة واضحة وصريحة إلى هذا الانفتاح مع المسلمين والتعايش الإيجابي والتواصل والتعاطف والتعاون معهم , وإليك نماذج من أحاديث أهل البيت (ع) في هذا الشأن:
روى محمد بن يعقوب الكليني بسند صحيح في الكافي عن أبي أسامة زيد الشحّام قال: قال أبو عبد الله (ع): أقرا على من ترى انه يطيعني منهم، ويأخذ بقولي السلام , أوصيكم بتقوى الله عز وجل والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث وأداء الأمانة وطول السجود , وحسن الجوار , فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله.
وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها بّراً أو فاجرا، وان رسول الله (ص) كان يأمر بأداء الخيط والمخيط.
صِلُوا عشائركم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم، فان الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق الحديث وأدى الأمانة , وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفري، فَيسُرَّني ذلك ويدخل عليّ منه السرور , وقيل هذا أدب جعفر , وإذا كان على غير ذلك دخل عليّ بلاؤه وعاره , وقيل هذا أدب جعفر , والله لحدثني أبي عليه السلام إن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي فيكون زينها، ادّاهم للأمانة وأقضاهم للحقوق وأصدقهم للحديث، واليه وصاياهم وودائعهم , تسال العشيرة عنه فتقول: من مثل فلان انه ادّانا للأمانة واصدقنا للحديث( ).
وأيضا بسند صحيح عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (ع): كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا , وفيما بيننا وبين خلطائنا من الناس؟ قال: فقال×: تؤدون الأمانة إليهم وتقيمون الشهادة لهم وعليهم , وتعودون مرضاهم , وتشهدون جنائزهم.
وأيضا بسند صحيح عن معاوية بن وهب قال: قلت له (الصادق (ع): كيف ينبغي أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ومن ليسوا على امرنا فقال: تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون فوالله انهم ليعودون مرضاهم , ويشهدون جنائزهم , ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدون الأمانة لهم.
وفي رواية أخرى للكليني في الكافي بسند صحيح عن حبيب الحنفي قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (ع) يقول: عليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز وعودوا المرضى , وأُحضروا مع قومكم مساجدهم , واحبّوا للناس ما تحبون لأنفسكم , أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره.
وبسند صحيح عن مرازم قال: قال أبو عبد الله الصادق (ع): عليكم بالصلاة في المساجد , وحسن الجوار للناس , وإقامة الشهادة , وحضور الجنائز , انه لابد لكم من الناس , أن أحداً لا يستغني عن الناس في حياته , والناس لابد لبعضهم من بعض ( ).

4 ـ آليات الوحدة:

وهذه هي النقطة الرابعة من مكّونات الوحدة.
الوحدة ليست مجرد شعار وخطاب، وإنما هي مشروع عمل فقهي وسياسي واجتماعي، وهو مشروع واسع وكبير، ويحتاج إلى تظافر العقول والجهود. ولهذا المشروع آليات علمية وعملية، ولا يتحقق الوحدة من دون توفير هذه
الآليات العلمية والعملية في أجواء التعايش الإسلامي، واليك توضيحا موجزاً عن هاتين الآليتين.
أ ـ الآليات العلميّة:
1 ـ البحث عن المساحات العلمية المشتركة بين المسلمين في الأصول والفروع والثقافة العامّة ومصادر التشريع وهي مساحات واسعة في العقائد والفقه والتفسير وعلوم القرآن، وآيات الأحكام والحديث والجرح والتعديل وأصول الفقه، وبسط الكلام فيما اتفق فيه الفريقان الكبيران من المسلمين الشيعة والسنّة.
وقد سعينا أخيرا في مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية إلى تحقيق الكثير من ذلك في (الحديث النبوي المشترك) و(القواعد المشتركة) و(التفسير المقارن) و(الرواة المشتركون في إسناد الروايات) من طريق الشيعة والسنّة، والفقه المقارن، والأصول المقارن … وغير ذلك وكانت ولله الحمد جهود مباركة آتت ثمارها سريعا.
2 ـ تسليط الأضواء العلمية على مواضع الخلاف بين المذاهب الإسلامية. فلا يصح تسطيح الخلاف بين المذاهب الإسلامية. ولا يصح تعميق الخلاف بين المذاهب الإسلامية. وكل منهما خطأ. والصحيح هو تسليط الأضواء العلمية على مواضع الخلاف بين المسلمين في الأصول والفروع بشكل موضوعي وعلمي وهادئ.
ومن عجب أن الدراسة العلمية الموضوعية لمواضع الخلاف بين المذاهب الإسلامية في الفقه والاصولين (أصول العقائد وأصول الفقه) من عوامل التفاهم والتقارن والتعاطي العلمي وليس من عوامل الاختلاف والتنابذ … وقد جربنا كثيرا هذه الحقيقة، وحصل لنا الاطمئنان أن الأبحاث العلمية الموضوعية في مسائل الخلاف من عوامل التقارب، وليس من عوامل التباعد.
ولذلك نجد في تراثنا الفقهي نوعين من الدراسات: الدراسات (الخلافية) و(المقارنة).
فهناك فقه الخلاف مثل موسوعة الشيخ أبي جعفر الطوسي (ره): كتاب (الخلاف).
وهناك جهدا آخر في الفقه المقارن مثل موسوعة العلاّمة الحلّي (ره): (تذكرة الفقهاء).
وكان من اهتمامات آية الله المحقّق السيد البروجردي (ره) التأكيد في دروسه الفقهية العالية على (الفقه المقارن) و(الفقه الخلافي).
3 ـ التعاطي العلمي بين علماء المسلمين من المذاهب الإسلامية المختلفة. لقد كان بين فقهاء المسلمين وعلمائهم تعاطي علمي واسع في مواضع الخلاف الفكري والفقهي والأصولي والعقائدي، فكان يحضر فقهاء من أهل السنة عند أئمة الشيعة وعلمائهم، وبالعكس كان يحضر علماء من الشيعة عند فقهاء وعلماء من اهل السنة.
وقد حضر أبو حنيفة النعمان (80 ـ 150 هـ) عند الإمام الصادق (ع) (80 ـ 148 هـ) سنتين. واشتهر عنه في هاتين السنتين التي حضرها عند الإمام الصادق (ع): انه كان يقول، لولا السنتان لهلك النعمان، كما حضر مالك بن أنس (93 ـ 179 هـ) في المدينة عند الإمام الصادق (ع) وكان الإمام الصادق (ع) يوليه اهتماما خاصّا.. وفي كتاب مالك المعروف بـ (الموطّأ) أربعون رواية عن أهل البيت (ع) وبعضها عن الإمام الصادق (ع) مباشرة.
ويروي ابن عقدة انه كان يروي عن الإمام الصادق (ع) أربعة آلاف شيخ كلهم يحدّث عن الصادق (ع) ويوجد في رجال الشيخ الطوسي 3223 رجلا من هؤلاء الأربعة آلاف، والكثير منهم من رواة ومحدّثي أهل السنّة.
يقول أحد روّاد التقريب الشيخ واعظ زادة: جمعت 12000 حديثا لأئمة أهل البيت (ع) من طرق أهل السنة وكتبهم ومصادرهم.
ومن جملة فقهائنا الكبار الشيخ المفيد (ره)،كان يحضر عند عدد من كبار علماء وفقهاء اهل السنّة ومنهم ابو ياسر مولي أبي الخنيس وعلي بن عيسي الرماني (296 ـ 384 هـ). وقد لقّبه الرماني بـ (المفيد) في قصّة معروفة. وحضر السيد الشريف المرتضى علم الهدى (ره) على عدد غفير من علماء وفقهاء أهل السنّة، كما كان يحضر عنده عدد من علماء أهل السنّة.
روى الحسن بن علي بن زياد الوشاء لابن عيسى القمي، قال: انّي أدركت في هذا المسجد (مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد . وكثير منهم من رواة أهل السنة.
ولا نريد أن نتوسع في هذا المجال … فمن يقرأ تاريخ الفقه والاصولين يجد هناك تعاطياً واسعاً بين علماء مدرسة أهل البيت (ع) وعلماء المسلمين من سائر المدارس … وهذا التعاطي والتداول العلمي دراسة وتدريساً ورواية ومن اهم الآليات العلمية التي تؤدي إلى وحدة المسلمين، وقد تحدثنا عن شطر من ذلك في ترجمة الشهيد الثاني (ره) في مقدمة كتاب الروضة البهيّة في شرح اللّمعة الدمشقية.

ب ـ الآليات العملية:
أ ـ الطاعة: وهي الآلية العملية الاولى … إن الذي دعانا إلى توحيد الأمة المسلمة فقال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} ، جعل (الطاعة) الأداة المفضلة الأقوى لتحقيق هذه الوحدة يقول تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} .
إن الانفلات عن الطاعة يؤدي إلى الخلاف والتنازع بالتأكيد. فان الطاعة هي التي تحفظ تماسك الأمة والموقف والكلمة … وهذه هي المعادلة الاولى {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ} والمعادلة الثانية أن التنازع يؤدي إلى تشتت الأمة والكلمة والموقف، وهو يؤدي إلى إفشال الموقف والقرار {تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ}.
والإفشال يعادل العجز والضعف والخواء وذهاب القوة {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.
إن الطاعة هي التي تحفظ وحدة الأمة ووحدة الصف ووحدة الموقف والقرار والكلمة … وهذه الوحدات الخطيرة لا تتحقق من دون الطاعة بالضرورة … ولذلك فقد أعطى الإسلام لـ(الطاعة) قيمة كبيرة، تأتي بعد قيمة (التوحيد والإيمان) مباشرة.
و مبدأ الطاعة هو الله تعالى بالتأكيد … ولا طاعة لاحد من غير أمر الله،و طاعة الرسول (ص) من طاعة الله وبأمر الله وإذنه. ولا طاعة لمن لا يأذن الله بطاعته.
فالطاعة إذن من مقولة التوحيد. وهي قضية حقيقية.
وقد أمر الله تعالى بطاعة رسوله وأولياء الأمور من بعد رسول الله (ص) جيلا من بعد جيل، دون أن تنقطع حبل الولاية والطاعة من المجتمع {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ} ، وتكرار الطاعة في الآية الكريمة توحي بأن الطاعة طاعتان، طاعة في التشريع وهي الطاعة الاولى وهي لله حتى إذا كان من خلال تبليغ رسول الله (ص) وطاعة ثانية لأولياء الأمور، ورسول الله (ص) هو أول أولياء الأمور في هذه الأمة وتتسلسل من بعده الولاية في أئمة المسلمين (ع) ونوابهم.

ب ـ المطاوعة: وحيث لا يمكن الوصول الى حد مقبول من التفاهم لتسيير امور المسلمين … لابد ان يلجأ المؤمنون عندئذ الى (المطاوعة) عند فشل التفاهم اذا كان ضرر المخالفة ابلغ واقوى على هذه الامة من مطاوعة الرأي الآخر، حتى مع الايمان بخطأ الرأي الآخر وبطلانه. وهذه اشق مراحل العمل للمحافظة على وحدة صف المسلمين، والمحافظة على الكيان السياسي الاسلامي العام.
وقد ابتلي امير المؤمنين (ع) بمثل هذا الابتلاء عندما اعرض الناس عن بيعته، وبايعوا ابا بكر خليفة للمسلمين، وقد شهدوا قبل زمن قصير وصية رسول الله (ص) له بالامامة والخلافة من بعده في موقع (غدير خم)، وعرفوا موقعه من رسول الله (ص) ومن الاسلام.
ولم يكن (ع) يشك في ان الامامة وخلافة رسول الله (ص) تراثه الذي يرثه من رسول الله (ص) باستحقاق ويقين. ولكن لما وجد انه اذا اصر على المطالبة بحقه في امامة المسلمين فسوف يؤدي الى انشقاق خطير في صفوف المسلمين وائتلام كيان الاسلام السياسي … آثر المطاوعة للحالة السياسية القائمة على المطالبة بحقه.
وهذا واضح لا يمكن التشكيك في سلوك ابي الحسن امير المؤمنين (ع) السياسي.
فلنستمع اليه يحدثنا بهذه القضية السياسية التي آلمته اشد الايلام، وتسببت في هذا الانشقاق الكبير الذي حصل في تاريخ الاسلام.
وانقل اليكم نصوصا ثلاثة.

النص الاول
اما والله لقد تقمصها فلان وهو يعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى الي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت ارتأي بين ان اصول بيد جذاء، او اصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه. فرأيت الصبر على هاتا احجى، فصبرت وفي العين قذى وفي الصدر شجى ارى تراثي نهبا .

النص الثاني
فلما مضى صلى الله عليه وآله تنازع المسلمون الامر من بعده فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي ان العرب تزعج هذا الامر من بعده صلى الله عليه وآله عن اهل بيته، ولا انهم منحوه عني من بعده.
فما راعني الاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه فامسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام، يدعون الى محق دين محمد صلى الله عليه وآله فخشيت ان لم انصر الاسلام واهله ان ارى فيه ثلما او هدما تكون المصيبة به علي اعظم من فوت ولايتكم التي انما هي متاع ايام قلائل يزول منها ما كان، كما يزول السراب، وكما ينقشع السحاب .

النص الثالث
لقد علمتم اني احق الناس بها من غيري ووالله لاسلمنَّ ما سلِمَت امور المسلمين، ولم يكن فيها جور الاّ علي خاصة. التماسا لاجر ذلك وفضله وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه .
ان المطاوعة ليست من القبول والتفهم في شيء … والامام (ع) عندما اعلن المطاوعة وقبل بخلافة الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه لم يتنازل عن حقه الذي بقي يؤكده الى آخر حياته … وإنّما وجد مصلحة الاسلام والمسلمين ومصلحة الكيان السياسي للاسلام ان يطاوع ولاية الخلفاء الثلاثة. فكان (ع) يتعاون معهم ويقدم لهم الاستشارة ـ من موقع الصدق والنصح ـ وينصح لهم الرأي، وطالما قال الخليفة الثاني (لا ابقاني الله لمعضلة ليس لها ابو الحسن).
ويخفى على كثير تفسير التقية ووجهها، فيتصورون ان صاحب التقية يمارس وجهين في خياراته، وجها يؤمن به ووجها آخر يتظاهر به. وليس الامر كذلك. بل التقية مطاوعة في السلوك السياسي والعبادي والعقدي (المعاملات) لابراز الوجه الواحد للامة الاسلامية في السلوك العبادي والسياسي (في قاعدة التقية) وللاعلان عن قبول التعددية في المذهب الفقهي وتقنين التعايش الفقهي ما بين المذاهب الاسلامية في (قاعدة الالزام والالتزام).
ويدل على ذلك أنّ مشروعية التقية لا تقتصر على حالة الخوف والاضطرار … بل يشمل حالات المداراة العبادية والسياسية.
ويدل على ذلك ايضا ان العبادة التي يأتي بها المسلم تقية لا تحتاج الى اعادة او قضاء في الوقت وخارج الوقت، عند انتفاء عامل التقية. فان العمل قد وقع صحيحا، ولا يحتاج الى اعادة .
ومهما يكن من امر فان قاعدة التقية في الشريعة نحو من المطاوعة في السلوك السياسي والعبادي.

ج ـ التعاون على البر والتقوى:
يقول تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
عن الإمام الصادق (ع):‍ « تواصلوا وتباروا وكونوا اخوة برره كما أمركم الله عز وجل ».
وعنه (ع): « تواصلوا وتبارّوا وتراحموا وتعاطفوا ».

د: التناصر بين المسلمين:
وهو من شروط الولاء، ومن وجب ولاؤه من المسلمين تجب نصرته كلما احتاج إلى النصرة واستنصر المسلمين يقول (ص) « من اصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم. ومن سمع رجلاَ ينادي يا للمسلمين فلم يجبهم فليس بمسلم » .

هـ: ملازمه جماعة المسلمين:
خطب رسول الله (ص) في حجة الوداع في منى بمسجد الخيف فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال «نضَّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها فبلغها من لم يبلغها فربّ حامل فقه إلى من هو افقه منه.
ثلاث لا يّغِلُّ عليهن قلب امرئ مسلم، إخلاص العمل لله، والنصيحة لائمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم عنهم فان دعوتهم محيطة من ورائهم » ولزوم جماعة المسلمين وعدم مفارقتهم في السراء والضراء يؤدي إلى توحيد الساحة الإسلامية بالضرورة. وقال (ص): المسلمون اخوة تتكافأ دماؤهم، ويسقي بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.

أركان الوحدة السبعة
وإذا تحدثنا عن العناصر المقوّمة للوحدة، فلابدَّ أن نتحدّث بإيجاز عن أركان الوحدة.

وحدة الأمة:

وحدة الأمة مقتبسة من قوله تعالى:
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}
إن هذه الأمة أمة واحدة، وليست أمَماً شتّى.
فما معنى وحدة الأمة؟ هذه الوحدة تتضمن مجموعة من الوحدات هُنَّ مقومات الوحدة وأركانها.
واولى هذه الوحدات هي وحدة الألوهية والعبودية {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} . ووحدة الألوهية ووحدة العبودية هي أهم هذه الوحدات جميعاً واساسها.
والوحدة الثانية وحدة الولاية. يقول قال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون َ} .
إن الولاء الحق لله تعالى وحده،ولمن يأمر الله تعالى بولائه…وهذا الولاء الأخير يأتي في امتداد الولاء لله تعالى،فهو ليس شيئاً آخر غير الولاء لله …والولاء من مقولة التوحيد، وتوحيد الولاء من مقومات وحدة الأمة … وتعدد الولاءات بمعنى تعدد الأمة بالضرورة.
والوحدة الثالثة وحدة النسيج الاجتماعي للولاء، فإِن للولاء بعدان بعد عمودي وبعد أفقي، والبعد العمودي هو الولاء لله ولرسوله ولمن يتولى أمور المسلمين من بعد رسول الله (ص) من أئمة المسلمين (ع).
والبعد الآخر هو البعد الأفقي للولاء. وهذا الولاء يربط المؤمنين بعضهم ببعض في شبكة ولائية واحدة،لا تنفصم ولا تتفكك ولا تتجزأ. إن الأمة الواحدة يربط بعضها ببعض رباط واحد من الولاء وهذا الرباط يكون بأمر الله تعالى وإذنه …. وهو أيضا من مقولة التوحيد.
يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} .
هم نسيج واحد، على اختلاف لغاتهم وأوطانهم، لا يحجز بعضهم عن بعض لغة ولا إقليم، ووجه الأرض وطن واحد لهم، أينما حلّوا.
و في مقابل ذلك: الذين كفروا بعضهم من بعض، لحمة واحدة في الكفر وعداء المؤمنين، {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}
هذان نسيجان وولاءان، منفصلان.
وأَما الخطوط الحمراء والخضراء والصفراء. على خرائط الجغرافيا السياسية. فهي مما ابتدعه الناس والحكّام في حياتهم، وليس من الولاء في شيء بحكم القرآن يقول تعالى … {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ}، وإِنما للحصر ولا ولاء بعد الولاء لله لأحد إلاّ بأمر الله تعالى.
إِذن الأمة واحدة، نسيج واحد من الولاء بالضرورة. {أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ}.
والوحدة الرابعة، وحدة الطاعة السياسية، والطاعة طاعتان طاعة الله وطاعة رسوله (ص) وأولياء الأمور من بعده … والطاعة الثانية غير الطاعة الاولى، ولذلك ورد ذكر الطاعة في الآية الكريمة مرتين. الطاعة الاولى لله، وهي في التشريع والعبودية والتقوى {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} وهذه الطاعة، لله تعالى، كما قلنا، حتى لو كان التبليغ من رسول الله (ص) وخلفائه وهو قوله تعالى {أَطِيعُواْ اللّهَ}. والطاعة الثانية لأولياء الأمور. وهي الطاعة السياسية والإدارية، وهي لأولياء الأمور، وهم رسول الله (ص) وخلفاؤه من بعده وهم أئمة المسلمين.
وأولهم وعلى رأسهم رسول الله (ص) وهو قوله تعالى {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ} .
و وحدة الطاعة تستبطن وحدة القرار، ووحدة النظام السياسي، ووحدة الصف ووحدة الكلمة والموقف السياسي … وهذه الوحدات هي من مقومات الوحدة الإسلامية وأركانها.
والوحدة الخامسة وحدة البراءة، وهي الوجه الآخر لوحدة الولاء، ولا تنفك الولاء عن البراءة، إن الولاء، من دون البراءة، أمر يسير. لا تحمّل صاحبها جهداً كبيرا فإذا انضمت البراءة إلى الولاء وتكاملت الولاء بالبراءة فلا يتحملها إلا ذو حظ عظيم.
والبراءة هي المفاصلة الكاملة عن أعداء الله وأعداء رسول الله (ص) وخلفائه وأمته ودينه الذي جاء به من عند الله. وهذه المفاصلة واحدة، كما أن الولاء واحد، وهي واجبة، كما أن الولاء واجب {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} .
ووحدة البراءة من مقومات وحدة الأمة. وتتجسد هذه الوحدة اليوم في توحيد موقف البراءة السياسي والاقتصادي والعسكري والإعلامي والثقافي من أمريكا وإسرائيل ومن يمتّ إليهما بصلة، من الكيانات والاستكبارية الكافرة التي تعلن العداء لله ولرسول (ص)وللإسلام والمسلمين.
إن وحدة الولاء والبراءة، ووحدة الطاعة السياسية توحد موقف الأمة السياسي من الأعداء والأصدقاء ومن قضاياها السياسية المحورية، وتنقذها من التشتت في الموقف والقرار. والوحدة السادسة، وحدة المسؤولية والرقابة الشاملة … عن رسول الله (ص):« كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » .
وعن رسول الله (ص): « من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه، فليس بمسلم » .
و عن رسول الله (ص):‍ « من اصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم» .
والمسؤولية المراقبة الشاملة للمسلمين، جميعاً، تجاه المسلمين جميعاً، من أبرز مظاهر وحدة هذه الأمة. وبها تتجسّد وحدة الأمة في الاهتمام والتعاون والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} .
وهذه المراقبة الاجتماعية الشاملة، مراقبة الكل للكل والجميع للجميع، ليس فقط يوّحد هذه الأمة، ويجعلها أمة واحدة، وإِنما يجعلها أيضا {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.
الوحدة السابعة وحدة الحصانة والحرمة. فان كل مسلم حرام على كل مسلم، ماله، ودمه، وعرضه.
عن رسول الله (ص):« كل المسلم على المسلم حرام، عرضه، وماله، ودمه » سنن الترمذي / وسنن ابن ماجة ومن احمد.
وعن رسول الله (ص): « كل مسلم على مسلم محرم ». رواها المحدثون والحفاظ من الفريقين.
وخطب رسول الله (ص) المسلمين في منى عام حجة الوداع وقال:« إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم القيامة، ألا هل بلغت؟ رواها ثقاة المحدثين من الفريقين.
وهذه الحرمة الشاملة والحصانة الشاملة الواسعة لكل مسلم على كل مسلم يحصّن المسلمين جميعاً بعضهم من بعض …
عن الإمام الباقر (ع) عن رسول الله (ص) « ألا انبؤكم بالمؤمن؟ المؤمن: من ائتمنه المؤمنون على أموالهم وأمورهم. والمسلم من سلم المسلون من لسانه ويده. والمهاجر من هاجر من السيئات » . هذه سبعة وحدات هي أركان الوحدة في الأمة الإسلامية الواحدة.