البحوث و المقالات 

 الصور 

 الاخبار 

بيان استنكار وإدانة لقرار اسقاط الجنسية البحرينية عن سماحة الشيخ عيسى قاسم من المركز الاسلامي

البيان الختامي للمؤتمر التاسع لمنتدى الوحدة الاسلامية: نحو وعي مجتمعي لمستلزمات النهضة الحضارية

مولوي عبد الحميد : المشتركات بين السنة و الشيعة كثيرة، و الاختلاف ضئيل وهامشي

في احتفالية الذكرى السنوية 37 لانتصار الثورة الاسلامية في ايران الشيخ الشمالي: انتصار الثورة الاسلامية في عام 1979م كان انجازاً لجميع المتدينين في العالم

جانب من وقائع المؤتمر الصحفي لسماحة الشيخ الدكتور الشمالي (رئيس المركز الاسلامي في انجلترا)

كلمة سماحة آية الله الشيخ محسن الاراكي في المنتدى الاسلامي الدولي11، ألقاها بالنيابة الدكتور علي رمضان الأوسي

مؤتمر صحفي تحت عنوان: (نداء السلم و المحبة في مواجهة التطرف والعنف في كل مكان) في المركز الاسلامي في انجلترا

دعوة عامة لکتابة البحوث و المقالات حول الأزمات الراهنة في العالم الإسلامي لتقديمها في المؤتمر الدولي (29) للوحدة الاسلامية في طهران

شيخ الازهر يدعو آية الله مكارم شيرازي للمشاركة في "ملتقى تحريم اصدار فتاوی قتل المسلمين"

البيان الختامي لاجتماع مجمع أهل البيت (ع)

الموقف من الفتنة الطائفية/آية الله الشيخ محمدمهدي الاصفي


الموقف من الفتنة الطائفية(*)

آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي
الأمين العام لمجمع اهل البيت (ع)


بسم الله الرحمن الرحيم

{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا})آل عمران: 103.(

الفتنة الطائفية

الفتنة الطائفية بين المسلمين اليوم حقيقة قائمة على وجه الأرض، لا يمكن تجاهلها، ولا يجوز التغاضي عنها، ولا يصح التسامح معها.
هذه الفتنة قائمة في كل زمان، وقلما يتفق أن يخلو عنها زمان، ولكنها اليوم تختلف من أي وقت مضى في تاريخنا المعاصر على الأقل.
إن الفتنة الطائفية اليوم تتفجر في العراق، وباكستان، وأفغانستان، وأقاليم أخرى من العالم الإسلامي أكثر من أي وقت آخر، وتتسبب في مذابح وحرائق وانتهاك للحرمات وتكفير للمسلمين من أهل القبلة وأهل (لا إله إلاّ الله)، من غير ذنب.
وأضرى مشاهد هذه الفتنة في العراق، حيث تجري يومياً مذابح همجية، فاقدة لكل قيم الدين والأخلاق، في المحافظات المختلطة ـ مذهبيّاً ـ يجري القتل على الهوية، وعلى الاسم، والانتماء، والمحافظة التي ينتمي إليها الإنسان، ويتم تهجير آلاف العوائل من المناطق المختلطة الساخنة، بسبب الانتماء المذهبي فقط.
ويجري في العراق تفجير السيارات المحمّلة بأطنان من المواد المتفجرة، الشديدة الانفجار، بين النساء والأطفال وطلاب المدارس والباعة المتجولين على أرصفة الشوارع والأسواق.
وليس أبشع من أن تتفجر سيارة من هذه المفخّخات على مسير الأطفال، وهم عائدون من المدرسة إلى بيوتهم، بحقائبهم المدرسية فتتناثر أجسامهم وكتبهم وأقلامهم على مساحة واسعة من الأرض.
أو تتفجر على مدخل الجامعة، حيث ينصرف الطلاب والطالبات إلى بيوتهم، أو تتفجر مفخّخة من هذه المفخّخات على باب مسجد أو حسينية مكتظة بالمصلين وقت أداء الصلاة.
وكان أبشع ما في هذه المناظر تفجير مرقد الإمامين العسكريين (ع)، بتلك الصورة البشعة التي شاهدها الناس على صفحات الفضائيات مرتين خلال هذه الفترة القصيرة.
إن الفتنة الطائفية اليوم تجري على صعيد واسع، وبآليات متطورة، والفضائيات التي تجتذب أوسع المشاهدين في العالم العربي والإسلامي، والصحف الواسعة الانتشار، جزء من الآليات التي تساهم في إشعال هذه الحرائق.
والذي يقرأ وقائع المؤتمر الذي انعقد في اسطنبول لنصرة أهل السنة في 22 ـ 23 ذو القعدة 1427هـ ويقرأ ما جرى في هذا المؤتمر من التظلّم وإثارة العواطف المذهبية والطائفية وتوجيه الاتهام إلى شيعة أهل البيت (ع) في العراق، من دون أي وثيقة اثباتية تثبت هذه الاتهامات التي توجه جزافاً إلى أوسع الطوائف الإسلامية في العراق... أقول: الذي يقرأ وقائع هذا المؤتمر في اسطنبول يعرف أبعاد الفتنة الطائفية التي تجري في العراق.
فضائيات، وصحف واسعة الانتشار، وبيانات في الحج، ومؤتمرات هنا وهناك، وهيئات تتحرك من بغداد، إلى بلاد شتّى، لإثارة العواطف المذهبية بين المسلمين في العالم، وتعميق الفجوة بين المذاهب الإسلامية.
وتزلزل في هذه الفتنة علماء ودعاة كنا نعرفهم بمواقفهم ومواقعهم المعتدلة تزلزلوا عن خط الاعتدال إلى خط التطرف الطائفي، مع الأسف.
ولو أنك دخلت إلى شبكة (الإنترنت) أو دخلت غرفة من غرف التراشق الطائفي (البالتوك)... تعرف أننا نواجه محرقة واسعة وفتنة واسعة من أضرى ما عرفه التاريخ الإسلامي من الفتن بين المسلمين.
وإن كل الجهود التي بذلها علماء المسلمين من الشيعة والسنة خلال هذا القرن للتقريب بين المسلمين يتعرض لتهديد وخطر حقيقيين، وإن لم يعصمنا الله من هذه الفتنة ويتصدى رجال من المسلمين لمواجهة هذه الفتنة وإحباطها والسيطرة عليها. . . لأصابنا من هذه الفتنة شرّ كثير.
وسوف نتحدث في هذا المقال عن هذه الفتنة في ثلاث نقاط:
1ـ آثار هذه الفتنة على حاضر العالم الإسلامي ومستقبله.
2ـ أسباب الفتنة وخلفياتها.
3ـ علاجها ومكافحتها.
وفيما يلي مرور سريع، لغرض التنبيه والتذكير بهذه النقاط الثلاث:

الآثار الحالية والمستقبلية للفتنة

لسنا نحتاج إلى توقف كثير لمعرفة الآثار التخريبية للفتنة الطائفية في حياتنا السياسية والثقافية في العالم الإسلامي.
فإن لهذه الفتن تاريخ طويل، ومن يُلمّ بهذا التاريخ يعرف الأخطار الكبيرة الناجمة من هذه الفتن.
هذه الفتن سريعة الاشتعال.
صعبة الإخماد.
خسائرها واسعة وكبيرة.
تتسع رقعتها بسرعة.
لا تندمل جراحها إلاّ بعد زمن طويل وبجهد كبير.
تكتسح حتى الطبقة الواعية المعتدلة.
تسلب الاعتدال والتوازن والرؤية الموضوعية حتى من دعاة الاعتدال، إلاّ من عصم الله .
يقول أمير المؤمنين (ع): (إن الفتن إذا أقبلت شبّهت وإذا أدبرت نبّهت)( ) ( ). . وهو مما ذكرناه: أن هذه الفتن تسلب الرؤية الموضوعية والاعتدال، حتى من أصحاب الرؤى الموضوعية ومن أصحاب الاعتدال.
وأول هذه الخسائر إحباط مشاريع التقريب والتوحيد الذي أنجزه العلماء وقادة المسلمين في هذا القرن والقرن الذي مضى مثل السيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ سليم البشري والشيخ محمود شلتوت شيخي الأزهر الشريف والسيد البروجردي والشيخ حسن البنّا وكاشف الغطاء، والإمام الخميني رحمهم الله ونظرائهم من دعاة التقريب والتوحيد.
وقد دفع هؤلاء ضريبة كبيرة من أجل رفع شعار التقريب والدعوة إليه. . صحيح أنَّ الشيعة استقبلوا خطاب الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر بالترحيب والتهليل، ولكن شيخ الأزهر رحمه الله دفع ثمناً كبيراً لهذه الفتوى الجريئة في الاوساط السُّنية الرافضة لفكرة التقريب، وكذلك العكس بالنسبة الى دعاة التقريب في المجتمع الشيعي وما تواجهه هذه الدعوة من التشكيك والرفض في بعض الأوساط الشيعية الرافضة لفكرة التقريب.
إنَّ الفتنة الطائفية، إذا اشتعلت فيما بين المسلمين تحبط هذه المشاريع الكبيرة التي تمت على يد هؤلاء الأعلام من دعاة التوحيد والتقريب.
والخسارة الثانية إحباط المشروع السياسي الإسلامي الكبير.
وهي خسارة كبرى في حياة الأمة. . . إن الإسلام اليوم يدخل في مواجهتين صعبتين، من الخارج والداخل، مواجهة أنظمة الاستكبار العالمي، مثل النظام الأمريكي وإسرائيل، من الخارج، ومواجهة عملاء الاستكبار العالمي في العالم الإسلامي، من الداخل. . . والمشروع الإسلامي السياسي في هاتين المواجهتين هو إنهاء النفوذ الاستكباري في العالم الإسلامي سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً، وأسلمة الأنظمة الحاكمة تبعا لإرادة الأمة في العالم الإسلامي. . . إن الإسلام اليوم يقود أوسع معارضة في التاريخ للنفوذ الاستكباري في عالمنا. . . وهذا المشروع السياسي الكبير الذي نعرفه اليوم في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا وغربها، وفي أفغانستان وباكستان، وتتسع دائرته لتشمل مناطق واسعة من آسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا. . . أقول: إن الفتنة الطائفية التي تشتعل اليوم في العالم الإسلامي تهدد هذا المشروع السياسي الكبير بالإحباط الكامل. . .
وانهدام المشروع السياسي الإسلامي بمعنى الإبقاء على نفوذ الاستكبار الغربي، وحماية العدوان والاحتلال الإسرائيلي، وتمكين الأنظمة العميلة للغرب في مواقع النفوذ والسلطة في العالم الإسلامي، واستمرار عمليات النهب والسلب لثروات المسلمين من قبل الغرب، والإبقاء على حالة التخلف والتبعية للغرب، في كل شيء، في عالمنا الإسلامي، وإبقاء الشرق الإسلامي مصدراً للغرب في المواد الخام التي يحتاجها في تصنيعه وسوقاً استهلاكياً واسعاً لمنتجاته . . . . الخ.
إن إحباط المشروع السياسي الإسلامي الكبير يعني قبول هذه الخسائر جميعاً. . والفتنة الطائفية التي تشتعل اليوم في بلاد عريضة من العالم الإسلامي تهديد حقيقي للمشروع السياسي الإسلامي.
امض حيث شئت من العالم الإسلامي تجد وعياً وشعوراً بالمسؤولية، وإيماناً بضرورة عودة الإسلام إلى الحياة، وانتفاضة على الظالمين المستكبرين، وحركة سياسية، وثورة إسلامية، ووعيا جمعياً بالدور التخريبي الغربي في العالم الإسلامي في السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام، وإيماناً بفشل كل المشاريع السياسية والحضارية التي تعاقبت علينا من الشرق والغرب، ووعياً لضرورة العودة إلى الذات، بعد غياب طويل للمسلمين عن أنفسهم وتاريخهم، وتراثهم وثقافتهم وانحرافهم عنها. . . هذه المجموعة وغيرها هي النقاط التي تشكل من حيث المجموع الصحوة الإسلامية الكبيرة، وهي صحوة مباركة، جاءت بعد خمول وخمود طويلين.
وإذا مضت هذه الفتنة في أوساطنا، واتسعت رقعة الحرائق التي تؤجّجها هذه الفتنة، فلن يبق من هذا المشروع ما يكفي للنهوض بالمسلمين.
إن هذه النهضة الكبيرة لا تتكون في فراغ سياسي وثقافي، وإنما تنشأ وتتكامل في أجواء التعاون والتآزر، والتعامل المشترك والموقف الواحد بين المسلمين.
والفتنة الطائفية اليوم تثير الحرائق الطائفية الواسعة في أجواء التعاون والتآزر والتعامل المشترك بين المسلمين وتنقضها وتفسدها،ولا تبقي ولا تذر منها شيئا.
وهذه الفتنة لا تفصل فقط الشيعة عن السنة، وإنما تفصل السنة بعضهم عن بعض، وتجعل المسلمين أمماً شتى، وهذا هو الذي تطلبه أنظمة الاستكبار العالمي.
والخسارة الثالثة تعطيل الترافد الثقافي بين المسلمين. . . إنّ ساحتنا الثقافية اليوم تشهد ترافداً ثقافياً واسعاً بين المسلمين، وشهدت انتعاشاً ثقافياً محسوساً بسبب هذا الترافد وإثراء للثقافة الإسلامية المعاصرة.
وإذا اجتمعت العقول... تأتلف القلوب كذلك، كما أن العكس صحيح أيضاً.
فكان لهذا الترافد الثقافي دور كبير في تأليف قلوب المسلمين.
والفتنة الطائفية اليوم تعيد الحواجز النفسية والثقافية بين المسلمين مرة أخرى، وتعزل الثقافة الإسلامية بعضها عن بعض. . . بل تتجاوز هذه الخسارة إلى خسارة اعظم من ذلك، وهي استبدال حالة الترافد الثقافي بالتقاطع الثقافي وثقافة التقاطعات. . . كما حصل ذلك بين المسلمين في شبه القارة الهندية أيام الاحتلال الإنكليزي.

أسباب الفتنة

أ ـ دور الاستكبار العالمي في إثارة الفتنة الطائفيّة
من الخطأ أن ننظر إلى هذه الفتنة نظرة تجريدية سطحية معزولة عن الأسباب والخلفيات التي تكمن وراءها، وبمعزل عن اللعبة السياسية الدولية التي تمارسها أنظمة الاستكبار الغربي في العالم الإسلامي.
إن الآثار التخريبية والحرائق الواسعة التي تتعقب كل فتنة طائفية، وسهولة إشعال هذه الحرائق في الفتنة في لحظات الغفلة والانفعال. . . مما لا يمكن أن تغيب عن عيون دهاة الاستكبار العالمي.
ولجملة من هذه الأنظمة مثل الإنكليز والفرنسيين والبرتغال والإيطاليين تجارب وخبرات كثيرة في حقل الفتن الطائفية. وبعض هذه الأنظمة وإن اختفى دورها الاستكباري تماماً أو بعضاً في الشرق إلاّ أنها أورثت تجاربها في هذا الحقل للنظام الأمريكي الذي يحمل اليوم شعار الانفراد بالقوة والسيادة والسلطة والاستكبار على وجه الأرض.
ولا تعجب إذا هدّد السفير الأمريكي (انديك) العالم الإسلامي باستخدام كل الأوراق الاستكبارية حتى إثارة الفتنة الطائفية بين المسلمين.
فلا يمكن أن نكوّن رؤية علمية دقيقة عن هذه الفتنة وندرس الأساليب العلمية لمواجهتها من دون أن نأخذ بنظر الاعتبار دور الاستكبار العالمي في إثارة هذه الفتنة.
إن العراقيين يتحدثون عن شواهد كثيرة عن دور الأمريكان في إثارة الفتنة الطائفية، وحماية العصابات المسلّحة في ديالى، والمدائن، وتلّعفر، وبلد.
وقد قال لي شاهد عيان: بعد انفجار شاحنة الطحين في تلّعفر عندما اجتمعت العوائل عندها ليأخذوا حصصهم من الطحين الذي انقطع عنهم لفترة طويلة. . . فانفجرت الشاحنة وتطايرت جثث الأطفال والنساء والرجال الذين اجتمعوا حول الشاحنة ليستلموا حصتهم من الطحين. . تراكض الناس من كل صوب لانتشال من يمكن انتشاله من الجرحى والمدفونين تحت الأنقاض، فرشقهم القناصة بوابل من الرصاص، ليحدثوا مذبحة ثانية في جماعات الإنقاذ بعد الانفجار.
ولشدّ ما عجبنا أنّنا رأينا أن الأمريكان يمنعون الشرطة الذين كانوا يحمون الناس من القناصة. . فقام الأمريكان في حركة مثيرة للاستغراب بإبعاد الشرطة عن الموقع واعتقالهم ليواصل القناصة المرحلة الثانية من المذبحة في جماعات الإنقاذ بدون مشكلة.
واعتقل الأمريكان رجال الشرطة أربعا وعشرين ساعة وتم الإفراج عنهم بعد ظهر اليوم التالي ـ الأربعاء ـ الساعة الواحدة، وعلى وجوههم آثار الإرهاق، وكانوا يقولون: إن الأمريكان حاسبونا حساباً عسيراً على حماية الناس، ولما كنا نقول: إننا لم نزد على أداء الواجب في الرد على مصادر النار. . . كان الأمريكان يقولون: يجب تصفية التركمان الشيعة في تلّعفر وتهجيرهم. . . دعوا الجرحى يموتون تحت الأنقاض... هكذا على الطريقة الأمريكية المعروفة !!!
وقد تهدم في هذا الحادث 85 بيتاً و25 محلاً للمبيعات للتركمان الشيعة في تلّعفر، وتم قتل وجرح 520 من التركمان الشيعة اجتمعوا ليأخذوا حصتهم من الطحين بعد قطع الطحين عنهم عدة أيام، وقدر أصحاب الاختصاص كمية المواد المتفجرة التي تم تفخيخ الشاحنة المحملة بـ (المادة المتفجرة المعروفة ت . أن . ت)بعدّة أطنان.
والقصة معروفة في مدينة تلّعفر ولا زال يعيش في المدينة مئات الشهود الذي شاهدوا هذا المشهد الإجرامي البشع.
إن للأمريكان حضور محسوس في حوادث العنف الطائفي، ولهم دور معروف في إثارة الفتن الطائفية، ولا زال العراقيون يذكرون حادث اقتحام الأمريكان لحسينية المصطفى في بغداد، وما ترتب على ذلك من قتل وجرح وترويع للناس وتهديم للبناء، وإحراق واتلاف لمكتبة الحسينية، ولم يعتذر الأمريكان عن جريمتهم في الحسينية قط، كما لم يعتذروا عن جرائمهم السابقة واللاحقة.
وجدار الفصل الطائفي حول الاعظمية الذي أثار غضب الشيعة والسنة معاً هو الآخر من جملة الخطط الأمريكية في العراق لتعميق الحالة الطائفية.
إنّ الأمريكان يعملون باتجاه تثبيت الحالة الطائفية وتعميقها. . وهم يعتقدون إن فرض السيطرة الأمريكية على العراق من خلال اللعبة الطائفية أيسر لهم وأقوى من أيّة آليّة أخرى.
ومهما يكن من أمر، فإن للأمريكان دوراً واضحاً محسوساً في إثارة هذه الفتنة، ومصلحة واضحة فيها.
وليس يخفى على دهاء المستكبرين دور الفتن الطائفية في تمكين أنظمة الاستكبار من إخضاع الدول والأنظمة والشعوب وترويضها وتطويعها.

النهضة الإسلامية المعاصرة:
إن الحالة الإسلامية المعاصرة التي عاصرها جيلنا والجيل الذي جاء من بعد جيلنا شيء أكثر من (الصحوة) ويصحّ تسميتها بـ (النهضة الإسلامية)... ولهذه النهضة درجات مختلفة من الوعي، والصحوة، والحركة، والمعارضة، والانتفاضة، والثورة، والدولة. . والذي يتابع تطوّرات الموقف السياسي والحركي في العالم الإسلامي لا يشك أن الأمة الإسلامية تدخل طوراً جديداً من تاريخها السياسي والحضاري. .. وهو الذي وعدنا الله تعالى به في التوراة والزبور والقرآن {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ( ) أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}( ).
ويقول تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}( ).
والآية الكريمة وإن نزلت في قصة موسى× وقومه من بني إسرائيل وفرعون، إلاّ أن الإرادة الإلهية التي تذكرها الآية الكريمة (نريد أن نمنّ) هي من سنن الله، والسنن الإلهية هي الإرادة الإلهية.
وهذه السنن ثابتة لن تتبدل ولن تتحول {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}( ).
ولا يخفى على غرف الرصد التابعة لأنظمة الاستكبار العالمي هذا التطور الكبير وهذه القفزات النوعية في العالم الإسلامي.
ولا شك أنهم يراقبون هذه النهضة باهتمام، ولا شك أنهم يشعرون بالخطر المقبل عليهم قريباً ويشعرون أن المستقبل ليس في صالحهم، وأن العالم الإسلامي في سبيله للتحرر من سلطان النفوذ الغربي بالكامل، وأن المسلمين إذا تحرروا من نفوذ الغرب، فلن يستطع الغرب أن يحافظ على موقعه السياسي والاقتصادي والعسكري في العالم. . . ولا شك أنهم يفكرون ويخطّطون لإحباط هذه النهضة السياسية والثقافية وتخريبها.
وإثارة هذه الفتنة الطائفية هي الأداة المفضلة عندهم لإحباط هذه النهضة الإسلامية الكبيرة.
وكان من أبرز أحداث هذه النهضة الكبيرة خلال هذا القرن والقرن الذي مضى:
● تحرير أجزاء واسعة من العالم الإسلامي من الاحتلال العسكري لأنظمة الاستكبار الغربي.
● ظهور وانتعاش الحركة الإسلامية في مصر وشمال غرب إفريقيا وغيرها، وفي الشرق الأوسط، من الجزء السني من العالم الإسلامي، وظهور وانتعاش الحركة الإسلامية في الجزء الشيعي من العالم الإسلامي في إيران والعراق ولبنان وباكستان وأفغانستان.
● فوز الإسلاميين في الانتخابات التشريعية والبلدية واستلامهم للحكم، حتى وإن كان الحكم غير إسلامي، كما حصل ذلك في الجزائر، والسودان، وتركيا، وفلسطين، والعراق بعد سقوط نظام صدام، وهو يعبر عن ثقة الناس بالإسلاميين بعد أن فشلت كل المشاريع السياسية التي دخلت العالم الإسلامي عموماً، والعالم العربي بالخصوص.
ولا يضرّ بما نقول إجهاض المشروع الإسلامي في الجزائر على يد الجيش، وإجهاض المشروع الإسلامي في تركيا على يد العسكر الذي لا زال يحافظ على ولائه للنهج الأتاتوركي العلماني في الحكم، فقد تمكّن الإسلاميون في تركيا من كسب أكثر المواقع البرلمانية وكسبوا في هذا السِّجال السياسي رئاسة الحكومة، وهم الآن بصدد كسب رئاسة الدولة (رئاسة الجمهورية). وما صنعه الإسلاميون في تركيا بعد سجال سياسي طويل من الممكن أن يصنعه الإسلاميون في الجزائر لو أعادوا النظر في أساليبهم الحركية وطريقة تعاملهم مع الناس والواقع السياسي من حولهم.
● ويقع في هذا السياق فوز الإسلاميين في فلسطين (حماس) في الانتخابات التشريعية وكسبهم لأكثرية المقاعد البرلمانية وبالتالي استلامهم للحكم من خلال الأكثرية البرلمانية.
وكان الناس يتصورون أنّ (حماس) سوف تفقد مبادئها في العمل السياسي والحركي إذا استلمت الحكم، إلاّ أن حماس أعلنت منذ أول يوم بثباتها على مبادئها السياسية والحركية بشجاعة، ورغم كل الضغوط التي مارستها إسرائيل وأمريكا والاتحاد الأوروبي على حماس لم تغير موقعها السياسي، وتحمّلت ظروف الحصار الاقتصادي الصعب، وانشطار الدولة بين الحكومة ورئاسة الجمهورية، ولم تتنازل عن مبادئها السياسية، وأصرّت على إعلان رأيها بحق الشعب الفلسطيني المشروع في المقاومة، ورفض الاعتراف بشرعية إسرائيل، ولم تتحول يوماً لاءاتها إلى (نعم) كما تحوّلت لاءات الأنظمة العربية إلى التطبيع مع إسرائيل والإقرار بشرعية حضورها الدولي.
● وكان من هذه الأحداث التي شكّلت قفزة كيفية في الساحة الإسلامية انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني (ره) وسقوط حكومة أسرة بهلوي، وقيام الجمهورية الإسلامية، وبذلك تتم ولادة الدولة الإسلامية الأولى في التاريخ المعاصر.
ولا أزال أتذكر تأثير انتصار الثورة الإسلامية وقيام الجمهورية الإسلامية في انتعاش الحالة الإسلامية في كل العالم الإسلامي، وانتعاش الأمل في نفوس شباب وقيادات الحركة الإسلامية في العالم، ومتابعتهم اليومية ـ بل في كل ساعة ـ لأحداث الثورة في طهران بلهف وشوق وترقّب.
كان لانتصار الثورة الإسلامية وقيام الجمهورية الإسلامية تأثير كبير في رأب الصدع، وجمع الشمل، وتوحيد الكلمة، ورص الصف.
وقد كان قائد الثورة من المؤمنين بالوحدة والتقريب، وكان يعلن رأيه هذا إعلاناً، ويدعو المسلمين إلى إزالة الحواجز النفسية فيما بينهم، والوقوف صفًاً واحداً إزاء التحديات الأمريكية والإسرائيلية.
● وكان من هذه الأحداث انتصار المقاومة الإسلامية في لبنان (حزب الله) على إسرائيل مرتين خلال ست سنوات وهزيمة إسرائيل تجاه المقاومة الإسلامية.
في المرة الأولى انسحبت إسرائيل من الجنوب اللبناني، وفي المرة الثانية قبلت قرار مجلس الأمن مرغمة بعد ثلاثة وثلاثين يوماً من القتال الضاري لحزب الله. . . وخرج (حزب الله) من هذه الحرب الضارية مرفوع الرأس، وخرجت إسرائيل مثقلة بتبعات كثيرة، يهدد الحكومة بالسقوط.
وكان لانتصار (حزب الله) أثر واسع في إعادة إشراقة الأمل في نفوس المسلمين وسط محاولات التطبيع في العلاقات بين إسرائيل والأنظمة العربية، والاعتراف بشرعيتها، والهزيمة النفسية للأنظمة العربية تجاه إسرائيل.
وكان لانتصار حزب الله على إسرائيل أثر كبير في العالم الإسلامي في رصّ صفوف المسلمين. وانطلق المسلمون في كل عواصم العالم الإسلامي وحواضره من طاشقند وبخارى وسمرقند إلى جاكارتا وماليزيا، ومن دلهي وبمبي في المشرق الإسلامي إلى طنجة والدار البيضاء في المغرب العربي لتأييد وإسناد حزب الله، وتساقطت في فترة وجيزة الحواجز النفسية بين المسلمين، وتدافع الشباب في عمّان ودمشق وبغداد وإسلام آباد والكويت وطهران والمنامة والقاهرة والجزائر ومسقط يهتفون بحياة حزب الله وسقوط إسرائيل ويطالبون أنظمتهم بالسماح لهم للمشاركة إلى جانب حزب الله في قتال إسرائيل.
وكان هذا التضامن الإسلامي الواسع والسقوط السريع للحواجز الطائفية إنذاراً لقوى الاستكبار العالمي. فماذا تستطيع إسرائيل أن تصنع إذا تضامن المسلمون جميعاً ضد الكيان الإسرائيلي. إن إسرائيل التي عجزت عن مقاومة جماعة إسلامية >مقاومة< صغيرة في لبنان فهي أعجز تجاه الأمواج العارمة للأمة الإسلامية برمّتها.
لقد كان الاستكبار بحاجة إلى حركة سريعة لاستعادة الحواجز النفسية وتشتيت الصف الإسلامي بأي ثمن، وبأي خطة. . . وقد وجدنا يومئذ كيف بدأت أمواج الفتن السياسية والطائفية تلتهب في العالم الإسلامي.
إن هذه الحوادث كان لها دور مباشر وغير مباشر في إزالة الحواجز الطائفية بين المسلمين، وإعادة الوئام والانسجام إلى الصف الإسلامي، وإشعار المسلمين جميعاً سُنة وشيعة بأنهم أمة واحدة، يفرح بعضهم بما يرزق الله البعض الآخر من نصر، ويحزن بعضهم بما يحل على البعض من مصيبة ورزء.
لقد كان الاستكبار بحاجة إلى حركة سريعة لاستعادة الحواجز النفسية التي بدأت تتهاوى بين يدي أمواج انتصارات المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان... لتشتيت الصف الإسلامي بأي ثمن.
إنَّ هؤلاء يملكون حسّاً مرهفاً يحس بالخطر بصورة مبكرة، من بعيد... وقد تحركت هذه المرة أجراس الخطر في أصول آذانهم، فهبوا مرّة واحدة لإبطال مفعول انتصارات حزب الله.
وكنا نتوقع يومئذ أن تبادر أمريكا وإسرائيل وحليفاتها في الغرب إلى تصعيد موجة الفتنة الطائفية في الشرق... بشكل غير اعتيادي... وهؤلاء لهم وسائل وأدوات وعملاء ومناهج وبرامج في التلفاز والفضائيات لتصعيد موجة الفتنة بين المسلمين، وأضيف إليها اليوم التكفير، والتفجير، والتفخيخ، والذبح.

كلمة الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي
يصف الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي (ره) انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني (ره) وتأثير هذا الانتصار في انتعاش الآمال والنفوس من أبناء الحركة الإسلامية، وفي الخيبة الكبيرة التي أصابت الاستكبار العالمي، الذي كان يظن أن كلّ شيء قد تم على ما يرام لصالحه في الشرق، فكان انتصار الثورة الإسلامية إحباطاً كبيراً لمخططاته وطموحاته.
ثم يصف (ره) المخططات الأمريكية في إحباط الثورة الإسلامية والتضييق عليها، وعزلها عن العالم الإسلامي عموماً، والعربي خصوصاً، وفرض الحرب العدوانية عليها من قبل النظام البعثي في العراق، وإثارة الفتن الطائفية في وجه إيران والثورة، وتشويه صورتها الإسلامية من خلال هذه الفتنة التي أثارتها يومذاك... ومن المفضل أن نصغي مباشرة إلى آهات هذا الداعية الشهيد، يحدثنا كيف استجاب لهذه اللعبة السياسية شباب مؤمنون من الحركة الإسلامية، استطاعت أمريكا أن تخيب كل آمالهم في الثورة الإسلامية في إيران، وتقنعهم بأن هذه الثورة ليست إسلامية، وإنما شيعية إيرانية، والشيعة لا يُعدّون من المسلمين في شيء، وهكذا تم لهم إحباط كل الآمال التي انتعشت في هذه الثورة... والتاريخ يتكرر مرة أخرى اليوم بعد ثلاثين سنة.
فلنستمع إلى الشهيد فتحي الشقاقي (ره):
"كان التحدي الغربي يظن أنه يوجّه ضرباته النهائية القاتلة للحضارة الإسلامية المنهارة حين وجهت الثورة الإسلامية في إيران أول سهامها للغرب وحققت أول انتصار للإسلام في العصر الحديث. لقد عادت الحياة إلى هذا الجسد الذي ظنوه قد أصبح جثة هامدة، وها هو يستفيق من جديد ينهض رائعاً وقوياً ومن أين؟ من حيث كان تأثيرهم الشيطاني أشد وأقوى وأشرس ما يكون. لقد اكتشفنا ذاتنا وها نحن ننهض، بعد قرنين من المهانة والذل، وبعد قرون من التخلف والجهل.
ها هي الثورة الإسلامية تتقدم لترسي مفاهيم عدة منها:
1ـ أسقطت من أذهان الجميع ـ خاصة مسلمي ومستضعفي العالم ـ ذلك الرعب من الدول والقوى الكبرى.
2ـ قدمت نموذجاً ونمطاً حضارياً جديداً للبشرية، بعد أن وضعت النمط الغربي في قفص الاتهام.
يقول المفكر الفرنسي الشهير: روجيه غارودي: (لقد وضع الخميني نمط النمو في الغرب في قفص الاتهام) ثم يقول: (الخميني أعطى حياة الإيرانيين معنى).
3ـ أكدت على الدور التاريخي الذي سيلعبه الإسلام الثوري في حياة شعوب المنطقة بعد اكثر من قرن من محاولة إزاحة الإسلام من السلطة والتأثير.
ولكن هل يترك الغرب وعملاؤه الثورة لتمضي في طريقها... دون أن تتصدى له وتكسر شوكته؟
هل يسكتون عن الفرحة التي سكنت الأمة كأنها الغيث الذي يصيب الأرض الجدباء، بعد طول انتظار؟ وهل يسمحون لهذا الشوق الإسلامي الذي فجرته الثورة أن يأخذ مداه؟
لقد هالتهم انتفاضة هذا الشعب المسلم وثورته المستحيلة، فحاولوا جاهدين أن يحولوا بين الإسلاميين الثوريين وبين وصولهم للسلطة، وعندما فشلوا تحركوا على عدة محاور مختلفة ومتشابكة.
1ـ بدأوا في إثارة الأقليات المختلفة.
2ـ دعم المجموعات الإيرانية المعارضة.
3ـ الحصار الاقتصادي والسياسي.
4ـ شن الغزو الخارجي عن طريق استخدام صدام حسين والجيش العراقي المغلوب على أمره.
5ـ إثارة الفتنة بين جناحي الأمة المسلمة ـ السنة والشيعة ـ في محاولة أخيرة لمحاصرة المد الثوري ومنع تأثيره من الوصول إلى المناطق السنية سواء الغنيّة بالبترول أو تلك التي تواجه إسرائيل.
بدأ بعضهم يشن حملة مشبوهة ومفاجئة ضد الثورة الإسلامية التي اكتشفوا أخيرا أنها ثورة شيعية وأن الشيعة فرقة ضالة أو كافرة، وأن آية الله الخميني الذي قالوا أنه هزّ العروش وهو يجلس فوق سجادته أصبح أيضاً ضالاً كافراً (!) وبدأ يتكرر أمامنا مشهد الشاب المسلم (!) الذي يحمل كتابا سعوديا مليئاً بالمغالطات والافتراءات، يحمله من مسجد إلى مسجد، يشرحه للناس، ويبشّر بما به من أضاليل، أدرك أن بعض هؤلاء الشباب يتحرك بحسن نية، متوهماً أنه يعمل لله، تماماً كما أدرك أن الطريق إلى جهنم مليء بمثل هذه النوايا الحسنة. فمتى يكتشف مثل هذا الشباب أنهم وبحسن نية ينفذّون مخططاً استعمارياً، وأنّ عليهم أن ينقذوا أنفسهم قبل فوات الأوان؟
إن موقف بعض الإسلاميين المعادي للثورة يفرض على الأمة أن تقف منهم موقف الشك والريبة من منطلقاتهم، من دوافعهم ومن أغراضهم.
بل أن موقفهم الغريب هذا يضع الحركة الإسلامية أمام مأزق خطير، لم تتعرض له من قبل، لأن أعداء الثورة داخل صفوف الحركة الإسلامية، يفقدون مبرر وجودهم، وليس أمام الحركة الحقيقية إلاّ أن تلفظهم إن عاجلاً أو آجلاً.
إن الذين يريدون أن يقتلوا النموذج الإيراني الفذ، في داخل الشخصية المسلمة، وفي هذا الوطن المحتل بالذات لن يقتلوا إلاّ أنفسهم، فهم يقفون أمام حركة التاريخ المتقدمة، ويتصدون لثورة إسلامية يقودها إمام هو (فخر للإسلام والمسلمين) كما جاء في أحد بيانات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين( ) ".
رحم الله الشهيد فتحي الشقاقي لقد أدرك من هموم هذه الأمّة وقضاياها ما لم يدركه الكثيرون.
إن لكل شيء ثمناً وضريبة، وضريبة هذه الانتصارات والفتوحات التي منّ الله تعالى بها على المسلمين في هذه الفترة هي هذه الفتن التي تتفجر هنا وهناك فيما بين المسلمين.
ولست أقول ذلك تبريراً لما يحصل بين المسلمين من الفتن اليوم، فلا مبرر إطلاقا لهذا الذي يحدث في العراق بين السنة والشيعة، ولا ما يحصل في باكستان وغيرها من بلاد المسلمين، من التراشق الطائفي بين السنة والشيعة.
وإنما أقول: إننا لم نفاجأ بهذه الفتنة، وكنّا نتوقعها، ولا زلنا نتوقع التصعيد فيها.
وهذا الوعي لمخططات الاستكبار العالمي وأساليبه وأدواته يحفظ لنا موقع الفعل والعمل والتخطيط المقابل لمواجهة هذه الفتنة، ويحفظنا من المواقف الانفعالية تجاه حملات العدو، أو الاستسلام لها. وكل منهما خطأ... والصحيح هو العمل القائم على الوعي الموضوعي لظروف الفتنة والتخطيط لمواجهتها وتقوى الله وابتغاء وجهه تعالى ...



ب ـ الانغلاق، والتكفير، والإرهاب

هذا المسلسل الثلاثي من أخطر أسباب الفتن الطائفية في التاريخ الإسلامي.
(الانغلاق) على الرأي الآخر، و(التكفير والإرهاب) في التعامل مع الرأي الآخر.
ولست أقول كما يقول بعض الناس إنَّ في كل رأي حق وباطل، وليس كلما في هذا الرأي حق، وليس كلما في الرأي الآخر باطل... فإنَّ هذا الفهم للرأي وللرأي الآخر باطل بالضرورة. والحق لا يتعدد، فإذا كان الرأي هذا حقا لا يكون الرأي الآخر حقا بالضرورة.
ولكن ذلك ليس بمعنى العصمة في الرأي... وما أكثر ما يكتشف الإنسان الخطأ في رأيه، والصواب في الرأي الآخر. ولذلك ينبغي للإنسان أن يكون منفتحا دائما على الرأي، يستمع إلى الرأي الآخر، ويحاور أصحابه.
يقول تعالى في عباده الصالحين {فَبَشِّرْ عِبَادِ*الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} .
والاستماع هو (الانفتاح)، وإتبّاع الأحسن هو (الموضوعية) وابتغاء الحق فيما بين الآراء... والقرآن يجعل "الانفتاح" و "الموضوعية" في الاختيار هو المقياس الدقيق للهداية {الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ}.
وبعكس ذلك الانغلاق على الرأي الآخر يجرّ الإنسان إلى ضلالات ومتاهات كثيرة.
ويتبع (الانغلاق)... (التكفير) و(الإرهاب).
(التكفير) في التعامل مع الرأي الآخر و(الإرهاب) في التعامل مع أصحاب الرأي الآخر.
ودين الله أوسع صدرا وأرحب في التعامل مع الرأي الآخر وأصحابه من التكفير والإرهاب ويبقى الرأي الآخر في دائرة الإسلام إذا كان يقر صاحبه بشهادة أن لا اله إلا الله وأنَّ محمدا رسول الله، فلا يجوز إخراج هذا الرأي من دائرة الإسلام الى الكفر، ولا يجوز استباحة دم صاحبه... فإنَّ شهادة أن لا اله إلا الله تعصم صاحبها في دمه وماله.
* * *
وظهرت هذه (الحدّية) في الرأي و(الانغلاق) على الرأي الآخر وما يستتبعه من التكفير والإرهاب. أوّل ما ظهر في حرب صفين... ثم تكتّلوا لقتال الإمام أمير المؤمنين× في النهروان، فقاتلهم الإمام× وهزمهم في تلك المعركة، وهدم تكتلهم السياسي والعسكري، وعندما ذكر له بعض أصحابه مستبشرا بأنّهم قد هلكوا بأجمعهم... قال الإمام×: (كلاّ، والله إنّهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء) . أي أن الحالة الخارجية لا تنتهي وما إن يهلك منهم قوم حتى ينجم منهم قرن آخر.
وكما لا ينتهي الحق، كذلك لا ينتهي الباطل.
وقد صدق الإمام (ع)... فإنَّ الحالة التكفيرية والتّطرف الديني الذي يبرز اليوم في الساحة الإسلامية ظهور جديد لنفس الحالة التي حاربها الإمام في النهروان: رفض مطلق للرأي الآخر، وانغلاق مطلق على الرأي، وتكفير لأهل القبلة، واستباحة لدمائهم.
وقد أصبحت اليوم هذه المسألة من كبرى قضايا العالم الإسلامي... فهم يمتلكون شبكة تنظيمية واسعة في العراق وباكستان والسعودية، ولهم امتداد في المغرب الأفريقي، مثل الجزائر، والمغرب، وامتدادات في جنوب شرق آسيا مثل اندونيزيا وماليزيا، ولهم حضور في بعض الدول الأوروبية.
وحيث أن هذه الحركة حركة سياسية وثقافية منظمة تحت الأرض... فهي تبقى بعيدة عن النور، والحوار والنقد.
وقد تسببت هذه الحركة بأضرار كبيرة وكثيرة في العالم الإسلامي اذكر منها:
1ـ تعميق الفجوة الطائفية بين المذاهب الإسلامية وإثارة الفتنة الطائفية وتأجيجها في بلاد وأقاليم كثيرة من العالم الإسلامي مثل العراق وأفغانستان وباكستان.
فإنَّ الطرح الاستفزازي والتكفيري للمسلمين ممن لا ينسجمون مع هذا الرأي واستباحة دمائهم، والتعامل معهم من موقع التكفير والإرهاب، يؤدي بالضرورة إلى إثارة الفتنة الطائفية وتعميق الفجوة بين المذاهب الإسلامية، وعزل المسلمين بعضهم عن بعض بجدار (الفصل الطائفي)... وهذه الفتنة لا تخص العلاقة بين الشيعة والسنّة فقط، وإنّما تمتدُّ إلى العلاقة بين أهل السنّة أيضا، كما هو حاصل الآن بالفعل، فإنَّ جملة من أعمال التفجير والتخريب التي يقوم بها الإرهاب في العراق في المناطق السنّية من بغداد وفي الرمادي وفلوجة وغيرها تمسُّ أهل السنّة بالذات.
والاستكبار العالمي يمدُّ هذه الحركة في إثارة هذه الفتن من حيث نشعر ومن حيث أو لا نشعر، ولنا أكثر من دليل على الدعم الأمريكي لهذه الفتن في العراق بالذات ولا تجد أمريكا وإسرائيل وغيرهما من دول الاستكبار والكفر فرصة أفضل لتحقيق أهدافهم في العالم الإسلامي من هذه الفرصة، فهي تلهيهم بمشاكلهم الداخلية، وتصرفهم عن المشاريع السياسية والحركية والثقافية والجهادية الكبرى التي تقبل عليها الأمة الإسلامية، وتؤجج بينهم نار الفتنة، وتضعفهم، وتعمّق حالات الخلاف الموجودة فيما بينهم، بما يجعل من الممتنع اجتماعهم على مكافحة نفوذ الاستكبار العالمي في العالم الإسلامي، واجتماعهم على تحقيق الأمة الواحدة، وتحقيق الأهداف الكبرى التي تسعى إليها هذه الأمة.
ومراجعة واحدة لقائمة الكتب والرسائل الجامعية التي صدرت خلال هذه المدّة منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، ودخول الشيعة في العراق في المعادلة السياسية، يكفي لإثبات هذه الحقائق جميعا... وتكفي قراءة بضعة صفحات من جملة واسعة من هذه الكتب ليعرف الإنسان مواضع بصمات دول الاستكبار العالمي والمنظمات والمؤسسات الجاسوسية والاستخباراتية العالمية في أمريكا وإنكلترا وإسرائيل في إثارة هذه الفتنة، والله المستعان.
2 ـ تمكين دول الاستكبار العالمي من العالم الإسلامي.
أنا لست ادري مدى نفوذ المنظمات الاستخباراتية والجاسوسية العالمية في هذه الحركة الإرهابية التكفيرية المعاصرة، ومدى اختراقها لهذه الحركة، وتأثيرها في توجيهها، ولكنّي أعلم أنَّ هذه الحركة منذ أحداث سبتمبر سنة 2001 سهّلت لأمريكا غزو أفغانستان والعراق واحتلالهما، ودخول الاساطيل الامريكية في المنطقة، وتوسعة حوزة الانظمة (المعتدلة) في منطقة الشرق الأوسط وفي أفريقيا كما تقول وزيرة الخارجية الأمريكية... وأنّها مكّنَت بالفعل أمريكا من فرض نفوذها على مساحة واسعة من العالم الإسلامي.
ولم يكن من الممكن أن تتمدّد أمريكا هذا التمدّد الواسع لولا ذريعة مكافحة الإرهاب.
3 ـ كان لهذه الحركة دور واسع في تشويه صورة (الإسلام) و(الحركة الإسلامية المعاصرة) في العالم. فقد اقترنت صورة الإسلام والحركة الإسلامية المعاصرة في العالم من خلال الفضائيات بالتفجيرات والتفخيخات والدماء والأجساد المضرّجة بالدماء، والتهديد والحرائق والتخريب... والفضائيات الموالية للغرب تعرف كيف تعرض هذه الصور وكيف تستخدمها لتشويه صورة الإسلام والحركة الاسلامية.
إن التقارير التي تعدّها مؤسسات غربية إحصائية تدلّ على أن الغرب مقبل على الإسلام، والسنوات القادمة تشهد انتشارا واسعا كميّا وكيفيّا للإسلام في الغرب... وهذه قضية حقيقية لا يمكن التشكيك فيها، حتى من قبل اكثر المنظمات الغربية تطرفاً في مناوئة الإسلام.
ولسنا نشكّ انه قد كان لموجة الإرهاب والعنف وحوادث التخريب والتفخيخ والقتل والذبح تأثير سلبي على هذه الحركة، ولسنا نشك أن المنظمات المعادية للإسلام تشارك بصورة فعّالة لنشر هذه الصورة الإرهابية عن الإسلام في الغرب.
نحن نعتقد أن الإسلام دين قوة، ودين رحمة، ونعارض الذين يقولون أن الإسلام دين رحمة فقط، ولا يستخدم القوة، وان بإمكان الإسلام أن يقضي على بؤر الفساد والشر والاستكبار في العالم من خلال الموعظة والنصيحة والتثقيف فقط، ونعتقد أنَّ (القوة) أبرز سمات الإسلام إلى جانب (الرحمة) وأنَّ من الرحمة القوّة... ولكن القوة شيء، وحوادث العنف والإرهاب والقتل والتفجير العشوائي شيء لآخر... ولا نشك أن الحركة التكفيرية قدّمت خلال السنوات الأخيرة، صورة مشوّهة شديدة التشويه عن الإسلام، وأضرّت بتقدّم هذا الدّين وساعدتها في ذلك المنظمات العالمية المعادية للإسلام والفضائيات التي تعمل في خدمة هذه المنظمات، بشكل أو بآخر.

(*) مـن بحوث مؤتمر التقريب الدولي الأول بين المذاهب الاسلامية/لنـدن/المـركز الاسلامـي في انجلـترا (8-9 جمادي الثانـي 1428هـ الموافقين 23-24/6/2007م)