البحوث و المقالات 

 الصور 

 الاخبار 

بيان استنكار وإدانة لقرار اسقاط الجنسية البحرينية عن سماحة الشيخ عيسى قاسم من المركز الاسلامي

البيان الختامي للمؤتمر التاسع لمنتدى الوحدة الاسلامية: نحو وعي مجتمعي لمستلزمات النهضة الحضارية

مولوي عبد الحميد : المشتركات بين السنة و الشيعة كثيرة، و الاختلاف ضئيل وهامشي

في احتفالية الذكرى السنوية 37 لانتصار الثورة الاسلامية في ايران الشيخ الشمالي: انتصار الثورة الاسلامية في عام 1979م كان انجازاً لجميع المتدينين في العالم

جانب من وقائع المؤتمر الصحفي لسماحة الشيخ الدكتور الشمالي (رئيس المركز الاسلامي في انجلترا)

كلمة سماحة آية الله الشيخ محسن الاراكي في المنتدى الاسلامي الدولي11، ألقاها بالنيابة الدكتور علي رمضان الأوسي

مؤتمر صحفي تحت عنوان: (نداء السلم و المحبة في مواجهة التطرف والعنف في كل مكان) في المركز الاسلامي في انجلترا

دعوة عامة لکتابة البحوث و المقالات حول الأزمات الراهنة في العالم الإسلامي لتقديمها في المؤتمر الدولي (29) للوحدة الاسلامية في طهران

شيخ الازهر يدعو آية الله مكارم شيرازي للمشاركة في "ملتقى تحريم اصدار فتاوی قتل المسلمين"

البيان الختامي لاجتماع مجمع أهل البيت (ع)

كيف نرقى بمفهوم الصحوة الإسلامية لتحقيق السلام الاجتماعي بين شعوب العالم

كيف نرقى بمفهوم الصحوة الإسلامية لتحقيق السلام الاجتماعي بين شعوب العالم

الشيخ الدكتور تاج الدين الهلالي(*)
(مفتي عام استراليا الأسبق)

مقدمة:
الحمد لله الذي آخى بين قلوب المؤمنين، وربط بين نفوسهم بوشيجة الدين: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(الأنفال: 63)، وصلى الله وسلم وبارك على "خاتم النبيين" ورحمة الله للخلق أجمعين سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه البررة الميامين وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين جعلنا الله من التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فما مِنْ أيامٍ العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله تعالى من هذه الأيام العصيبات التي تهدد فيها البشرية رياح ٌ هوجٌ داهمةٌ مثقلة بالأعاصير وتحمل في حناياها الشر المستطير وتفتكك بالصغير والكبير.
وما من عمل صالح يُرضي الله ورسوله من أن نقوم بإصلاح وإعداد سفينة نجاة البشرية للعبور بها من حوالك البحر الأسود إلى بشائر البحر الأبيض والخروج من عواصف المحيط الهائج الشاطح الثائر إلى شواطئ أمان المحيط الهادئ المطمئن الآمن.
السفينة التي تملك أجهزة الاتصال التي تربط الأرض بالسماء، السفينة التي توازن ما بين عالم الغيب وعالم الشهادة وما بين المادة والروح.
السفينة التي تتيقن أن جميع بني البشر أخوة في الإنسانية من أب واحد وأم واحدة (آدم وحواء) وأنهم جميعاً عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
السفينة التي تحمل لسكان المعمورة (سلاماً) بمفهومه العام سلاماً بين الإنسان وربه وسلاماً بين الإنسان ونفسه وسلاماً بين الإنسان وأخيه الإنسان ولا سبيل إلى إصلاح هذه السفينة إلا:
1. أن يقوم المسلمون بإصلاح أنفسهم لأن فاقد الشيء لا يعطيه ولسان الحال خيرٌ من ألف مقال.
2. أن يعمل المسلمون على تحقيق الفريضة الغائية المُغَيَّبة ألا وهي الوحدة الإسلامية الكاملة الشاملة.
حاجة الشرق والغرب إلى أمة الإسلام
في زمان أحادي القطبية أو كاد يكون انقلبت فيه القيم وانعكست المعايير فَتَمَّ إلقاءُ القبض على القتيل بينما أصبح القاتل حراً مكرماً.
لأن القاضي والجلادَ ومن يملك القرار واحد لا مبدل لقراراته ولا اعتراض على أوامره، وُضِعَ الإسلامُ البريء في قفص الاتهام، وأضحى المسلمون هم المعنيين بقول القائل:
ناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النُّوَمُ

صوموا ولا تتكلموا
إن الكلام محرمُ

إن قيل هذا نهاركم
ليلُ فقولوا: مظلمُ

أو قيل هذا شهْدكُم
مُرٌّ فقولوا: علقمُ

فهل تقبل هذه الأمةُ التي كتب الله لها العزة والخلود ووعدها بالنصر والتمكين أن تعطي الدنية في دينها؟ أو تعيش ذليلةً مهانةً مهمشةً وهي تتلقى صفعات الطامعين، وأباطيل المضللين؟؟
وهَلَّا علم المسلمون أنهم دعاة حق وحملة منهج إنساني عالمي وورثة وحي إلهي حكيم ارتضاه الله تعالى طريق سعادة وفلاح للبشر أجمعين.
فشمَّروا عن ساعد الجد ناهضين بتبعات الأمانة التي ائتمنهم الله عليها لإرساء قواعد العدل والإنصاف والسلام.
إن العالم تجتاحه رياح هوج داهمة والبشرية تعاني من العلل والداءات والجموح والجنوح، وتتخبط في تيه من أمواج الانحراف عن جادة الصواب ومظاهر التسلط والاستقواء.
والمنهج الرباني والوحي السماوي هو وحده القادر على هداية وإنقاذ السفينة الكونية الحائرة المضطربة ليصل بها إلى شاطئ الأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار.
خصائص الإسلام الذي تؤمن به هذه الأمة
لقد قصدنا بما ذكر التأكيد على أهمية وضرورة الفريضة الغائبة وهي (وحدة الأمة الإسلامية) التي بذهابها ذهبت قوة المسلمين، وبضياعها ضاعت هيبتهم.
والمنتمون لهذه الأمة لهم دين يعتقدونه ويتعبدون الله تعالى بأحكامه وينظمون علاقتهم بغيرهم في ظل مبادئه وقيمه وهديه ولا قيمة ولا اعتبار لأية فئة أو جماعة تتنكب طريقه وتخالف هديه وتعاليمه، ومن ثم تُوضع الأمةُ الإسلاميةُ كُلُّها في قفص الاتهام مأخوذة بجريرة شرذمة من الناس تقترف أعمالاً مدانة ومرفوضة في ميزان الدين الحنيف الذي تؤمن به.
فما هي خصائص وأصول هذا الدين "إن الدين عند الله الإسلام"
‌أ. الإسلام رسالة الله الواحدة التي حملها مشعلها جميع الأنبياء والمرسلين:
إذاً فالرسالة واحدة خالدة على مدى العصور، وطابعاً واحداً، واتباعها أمة واحدة، وإن اختلفت لغاتهم وألوانهم وأمكنتهم وأزمنتهم (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبل)، (قل ما كنت بدعاً من الرسل)، (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (الشورى: 13).
فأية عالمية وأية إنسانية بعد هذه! وأي لقاء للبشرية كلها أعظم من لقاء هذا الرحاب! وأي علاج أنجع من هذا اللقاء لصراع الأجناس والمذاهب والألوان وحرب الطبقات الذي ملأ الأرض شقاء وأحال الحياة من نعمة إلى مأساة!.
وأية (أخوة في السلاح) أقوى من الأخوة ومن سلاح الإيمان، لمقاومة أدوات الشقاء والدمار بالمحبة والطمأنينة والسعادة النفسية، والتلاقي والتعاون على وضع حد لقوى الشر والعدوان والإلحاد وعلى كشف قوى الطبيعة وتسخيرها لخدمة الإنسان وغزو المجهول!
وأية عدالة أكثر ضماناً للعدو والصديق من عدالة تقول:
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا( (النساء: 135)، وتقول: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ((المائدة: 8).
ألا ما أوضح عُمْقَ النداء القرآني في هذا الرحاب الإلهي الواسع:
)يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)( المؤمنون: 51-52).
وبعد:
فإننا لا نعرف الإسلام في هذا المجال معتزين به تديناً وتعبداً بدون تفكير واقتناع عقلي، أو التماساً للثواب أو خوفاً من العقاب، وإنما نَفْعَلُ ذلك لأننا وجدنا فيه بكامل عقولنا وثقافتنا الدواء الناجع لكل ما تعانيه الإنسانية من أمراض وأخطاء ومشكلات، ولأنه كما قلنا مراراً، لو لم يكن ديناً موحى به لكان المذهب العقلي الوحيد الموصل إلى الأهداف التي يطلبها الإنسان المعاصر في أزمته الخانقة لعقله وضميره ومنافذ عيشه!!
وأخرى مهمة جداً للغاية! هي أننا نعتز بالإسلام ونبذل الجهد في عرضه على الإنسانية المعاصرة، لأننا ندرك ما فيه وحده من الضمانات لحرياتها وحقوقها، ولحمايتها من غضبات التعصب وضيق الأفق، إذ لو لم يحل الإسلام بين المسلمين في عهود قوتهم وفتح جيوشهم أرجاء الأرض في الماضي وبين المخالفين لهم، ما بقي على وجه أرض الإسلام غير مسلم، وبقاء الأقليات الدينية للآن في أرض الإسلام أكبر شاهد في هذه القضية، وزوال المسلمين من إسبانيا والبرتغال مثلاً شاهد بعكس الحال عند غير المسلمين.
‌ب. الإسلام خصم للعدوان والفساد، وهو منذ نشأته ينادي بالحرية والعدالة ويتبرأ من الاستبداد والظلم.
‌ج. الإسلام دين عالمي لا يمكن أن ينحصر في بيئة خاصة ولا أن يكون وقفاً على جنس بعينه أو عصر بعينه، إنه حقيقة إنسانية مطلقة تسع الأزمنة والأمكنة كلها.
‌د. للإسلام دستور مرن في شرائعه وآدابه هو القرآن الكريم.
وقيام القرآن على القواعد العامة للإيمان والأخلاق يترك المسلمين أحراراً في وضع القوانين الملائمة لأقطارهم وأزمانهم وفاقاً للصالح العام والاجتهاد المقبول.
‌ه. يعتبر الإسلام العلم، هو المصباح المنير المرشد إلى تفسير آياته والدال على صدق رسالته ولذلك يحارب الجهل والغباء ويحتفي بالحكمة والمعرفة.
‌و. لا يقر الإسلام أية واسطة بين الإنسان وربه، فلا كنهوت في الإسلام بأية صورة من الصور، ويحترم الشخصية الإنسانية ويؤمن بإمكان ترقيها إذا استجابت لهداية الفطرة ونداء الإيمان.
‌ز. خلق الإسلام من مذهبه في العدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقة وضعاً سياسياً للحكم لم يبرز في أي عصر كان ولا يزال مصدر النعمة الموفورة للشعوب التي أخذت به مخلصة، وما سقط هذا الحكم إلا يوم انفصل عن هذه التعاليم وخضع لهوى الأنفس.
‌ح. إن الإسلام دين عملي كفيل بالنجاح المادي والروحي معاً، وقد نزه تنزهاً تاماً عن الخرافات والخزعبلات والغيبيات السخيفة والأوهام التي يخلقها الجهل أو التعصب الأعمى، كما تنزه عن التواكل والتسليم بالقدرية.
‌ط. اعتبر الإسلام قداسة العلم من قداسة العبادة الشكلية، لأنه اعتبر العلم في ذاته عبادة ينكشف بها الحق ويقوم عليها الإيمان وتتلاشى في جوها الخرافات.
‌ي. جاء (القرآن) الكريم بنبوءات شتى انطبقت على تطور البشرية وعلى اكتشافاتها ومخترعاتها مما لم يكن يحلم به أحد منذ أربعة عشر قرناً، ولو أن القرآن نزل اليوم ما تغير فيه حرف واحد لأن صلاحيته للعصور كلها لم تمس.
‌ك. جاء (الإنجيل) بتنبؤات عن رسالة (محمد) صلوات الله عليهوآله، كما جاء قبله (التوراة) بذلك مما لا يحتمل أي تأويل آخر وإن جادل علماء الديانتين في المعنىّ بهما.
‌ل. أصول الإسلام نابعة من العقل والفطرة، وبهذا فتح صدره لتقبل جميع الأنظمة المتمشية مع مبادئه الأدبية الرفيعة والكفيلة بسعادة البشرية أينما كانت، وهكذا ساند جميع الحضارات السامية ورعاها، فاستظلت بجناحه واستوعبتها فلسفته، فامتدت وترعرعت وأسهمت في إسعاد المسلمين، بل في إسعاد البشرية عامة.
‌م. لا يحتمل الإسلام الرجعية مطلقاً، وإنما شعاره دائماً الرقي والتقدم، فكل حِجْرٍ على الحرية أو النهوض مناف له، هو بمثابة الكفر به، وكل إنسان يحترم حقوقه وفي مقدمتها حرية الفكر والقول لابد أن يناصر الإسلام ولو لم يكن من أتباعه.
‌ن. يعتبر الإنسان نفسه هو المسئول عن خلاصه بالعمل الطيب، فلا وساطة ولا شفاعة ولا فداء ينجيه إذا لم تنجه أعماله هو، وما ورد غير ذلك في أي دين فإن الإسلام ينكره.
‌س. يستطيع المسلم أن يكون موسوياً وعيسوياً ومحمدياً في آن واحد لأن هذه روح الإسلام وعالميته، وكذلك كان الإسلام ولا يزال أهلاً لقيادة العلم قيادة ديمقراطية صحيحة مشربة بروح المحبة والسلام (د/ أبو شادي – لماذا أنا مسلم).
• فالقرآن يذكر الإنسان بأصل الإنسانية الواحد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)(النساء: 1).
• ويبين لهم أن اختلافهم وتعددهم في الشعوب طبيعة كونية وأن التفاضل بينهم لا يكون إلا على أساس التقوى والارتباط والطاعة لوحي السماء:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات: 13).
• ويلفت انتباههم إلى المنزلة التكريمية التي حظي بها الإنسان وأنه بآدميته سيد للكون وجميع ما خلق الله مسخر له ولخدمته:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70).
• ويرشده إلى معاده ويوم حسبه ليتخذ من الدنيا مطية ومزرعة للآخرة: (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) (القيامة: 36).
• ويبين لهم أن عطاء الله ونعمته الكونية رزق لجميع الخلق دون استثناء:(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: 29). (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: 13)، بل تتجاوز هذه النظرية الإطار الإنساني إلى العالم الحيواني، فتذكر السنة النبوية أن رجلاً دخل الجنة لأنه سقى كلباً عطشاناً، وأن امرأة دخلت النار في هرة حسبتها حتى ماتت جوعاً.
وبهذا المفهوم الإنساني يقول الرسول الكريم (ص): "الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار".
• ويذكرهم بعظم المسئولية التي حملها لينهض بمهمة الاستخلاف التي اضطلع بها: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا)(الأحزاب: 72).
• كما ينحي إليه باللائمة ويقرعه بلواذع التقريعات على شروره وآثامه وجهله وكفره التي تتعارض مع قانون الاستخلاف. (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)(إبراهيم: 34). (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)(العاديات: 6). (قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) (عبس: 17). (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا)(الكهف: 54).
وهناك الكثير من الآيات القرآنية التي تخاطب الإنسان وترشده إلى الصلاح والفلاح في شتى مناحي الحياة، وأنه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
بَوْنٌ شاسع ما بين الإسلام والمسلمين
إننا إذ نلتمس الهدى والرشاد ونتيقن الخلاص والفلاح في منهج إسلامنا الحنيف فإننا لا نقامر ولا نغامر بمشروع عاجز أو قاصر عن تقديم الحلول المناسبة لأمتنا بل ولشعوب العالم أجمع، لأننا على يقين أن الخلق لا يصلحهم إلا منهج الخالق.
شريعةُ الإسلام للإصلاح عنوانُ
وكلُّ شيء سوى الإسلام خسرانُ

لما تركنا الهدى حَلَّتْ بنا مِحنٌ
وهاج للظلم والإفساد طوفانُ

تاريخنا من رسول الله مبدأه
وما سواه فلا عِزٌّ ولا شأنُ

إن هذا المنهج قد أسس أمة وأقام حضارة نشرت أنوارها واستظل بفيء عدالتها شعوب وأجناس على رقعة امتدت من حدود الصين شرقاً إلى حدود فرنسا غرباً، ومن سيبيريا شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً، وعلى طريق تحقيق الهدف المنشود وإنقاذ الأمة الإسلامية واستنهاض هممها ليكون لها حضور فاعل بين الأمم ولتدفع عن نفسها غوائل المخاطر والشرور
أقترح ما يلي:
أولاً : حلاً لحالة التسيب والتفلت وإغلاقاً للساحة الفوضوية التي ركبها ناعق يتحدث باسم الأمة ويستحل الدماء باسم الإسلام.دماء المسلمين أو دماء غير المسلمين من غير الحربيين كما نص على ذلك القرآن الكريم فقال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(الممتحنة: 8-9).
نَظْرةُ الإسلامِ إلى المَسيحيَّةِ
يستقي المسلمون عقيدتهم ومعرفتهم بالمسيحية والسيد المسيح (عليه السلام) بما ذكره القرآن الكريم في سورة آل عمران وفي السورة التي سماها باسم مريم (عليها السلام)، فيتعبدون الله تعالى بحبهما ويتقربون إليه بالصلاة عليهما كلما ذكر اسمهما … ويقرون بميلاد المسيح كمعجزة وآية للعالمين، ويتلون آيات الله في صلواتهم، متدبرين خاشعين، وهي تقص عليهم نبأ المعجزات التي أجراها الله تعالى على يد سيدنا عيسى (عليه السلام)، والمسلمون لا يعتقدون أن الإسلام دين ابتكره أو ابتدعهأو جاء به نبيهم محمد (ص)، وإنما وكما ذكر القرآن الكريم وأفادت السنة النبوية، أنه دين جميع الأنبياء والمرسلين:
(شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ)(الشورى: 13).
ويقول الرسول محمد (ص): الأنبياء إخوة لعلات: أبوهم واحد، وأمهاتهم شتى، ويقول معترفاً بكل محبة ووفاء وعرفان لجهود إخوانه السابقين من الأنبياء والمرسلين: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى الإسلام بصفته أقدم الديانات الداعية إلى التوحيد، وإن كان في الوقت ذاته أحدثها تاريخياً ولا يزعم لنفسه الأحقية المطلقة في تأصيل مكارم الأخلاق وشجب غيره من الأديان كما تفعل الديانات الأخرى، بل إن الإسلام يعترف ببناء صرحه على أسس الديانتين السماويتين اللتين سبقتاه، مشيداً بجهود أنبياء الله، معترفاً بجوهرهما الداعي إلى التوحيد ومكارم الأخلاق.
وإن كان الإسلام ينكر عقيدة التثليث والطبيعة الإلهية للمسيح، فإن هذا المعتقد له أنصاره ويزداد مؤيدوه بين المسيحيين يوماً بعد يوم وقد أفصح عن ذلك بالأدلة الكاتب الألماني كارل هاينز دشنر في مؤلفاته.
التطبيق العملي لهذا المفهوم
إن الإسلام وضع قواعد ومبادئ للتعامل مع أهل الديانات السماوية معتمدة على الأصول الآتية:
1. أن الأديان السماوية كلها تستقي من معين واحد: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (الشورى: 13).
2. وأن الأنبياء إخوة لا تفاضل بينهم من حيث الرسالة، وأن على المسلمين أن يؤمنوا بهم جميعاً: (قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(البقرة: 136).
3. وأن العقيدة لا يمكن الإكراه عليها، بل لا بد فيها من الإقناع والرضا:(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(البقرة: 256).
(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)(يونس: 99).
4. وأن أماكن العبادة للديانات الإلهية، يجب الدفاع عنها وحمايتها كحماية مساجد المسلمين: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40).
5. وأن الناس لا ينبغي أن يؤدي اختلافهم في أديانهم إلى أن يقتل بعضهم بعضاً أو يعتدى بعضهم على بعض بل يجب أن يتعاونوا على فعل الخير ومكافحة الشر:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة: 2) أما الفصل بينهم فيما يختلفون فيه، فالله وحده هو الذي يحكم بينهم يوم القيامة: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(البقرة: 113).
6. وأن التفاضل بين الناس في الحياة وعند الله، بمقدار ما يقدم أحدهم من خير وبر للخلق ذلك أنهم جميعاً عيال الله (أي الذي يعولهم)، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات: 13).
7. وأن الاختلاف في الأديان لا يحول دون البر والصلة والضيافة: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(المائدة: 5).
8. وأنهوإن اختلف الناس في أديانهم فلهم أن يجادل بعضهم بعضاً بالحسنى وفي حدود الأدب والحجة والإقناع: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت: 46).
(وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)(الأنعام: 108).
هذه هي مبادئ التسامح الديني في الإسلام التي قامت عليه حضارتنا وهي توجب على المسلم أن يؤمن بأنبياء الله ورسوله جميعاً، وأن يذكرهم بالإجلال والاحترام، وأن لا يتعرض لأتباعهم بسوء، وأن يكون معهم حسن المعاملة، رقيق الجانب، لين القول، يحسن جوارهم ويقبل ضيافتهم ويصاهرهم حتى تختلط الأسرة وتمتزج الدماء, وأوجب الإسلام على الدولة المسلمة أن تحمي أماكن عبادتهم وأن لا تتدخل في عقائدهم، أو تجور عليهم في حكم، وأن تسويهم بالمسلمين في الحقوق والواجبات العامة، وأن تصون كرامتهم وحياتهم ومستقبلهم.
وعلى هذه الأسس قامت حضارتنا وبها رأت الدنيا – لأول مرة – ديناً ينشئ حضارة فلا يتعصب على غيره من الأديان، ولا يطرد غير المؤمنين به من مجال العمل الاجتماعي والمنزلة الاجتماعية. وظل هذا التسامح شرعة الحضارة الإسلامية منذ وضع أساسها محمد (ص)، حتى أخذت في الانهيار فضاعت المبادئ ونسيت الأوامر، وجهل الناس دينهم، فابتعدوا عن هذا التسامح الديني الكريم.
التطبيق العملي لهذه المبادئ
في حياة الرسول (ص):
لما هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة وفيها من اليهود عدد كبير كان من أول ما قام به من شئون الدولة أن أسَّسَ بينه وبينهم ميثاقاً تُحترم فيه عقائدُهم وتلتزم فيه الدولة بدفع الأذى عنهم ويكونون مع المسلمين يداً واحدة على من يقصد المدينة بسوء فطبق بذلك رسول الله (ص) مبدأ التسامح الديني في البذور الأولى للحضارة الإسلامية.
وكان للرسول (ص) جيران من أهل الكتاب فكان يتعاهدهم ببره ويُهديهم الهدايا ويتقبل منهم هدايا ولما جاء وفد نصارى الحبشة أنزلهم رسول الله في المسجد وقام بنفسه على ضيافتهم وخدمتهم، وكان مما قاله يومئذ: (إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، فأحب أن أكرمهم بنفسي).
وجاء مرة وفد نصارى نجران فأنزلهم في المسجد وسمح لهم بإقامة صلاتهم فيه، فكانوا يصلون في جانب منه، ورسول الله والمسلمون يصلون في جانب آخر ولما أرادوا أن يناقشوا الرسول في الدفاع عن دينهم، استمع إليهم وجادلهم كل ذلك برفق وأدب وسماحة خلق.
قَبِلَ الرسول من المقوقس هديته وقبل منه جارية أرسلها وتسري بها رسول الله (ص) وولدت له إبراهيم الذي لم يعمر إلا أشهراً قليلة.
ومن وصاياه للمسلمين (استوصوا بالقبط خيراً، فإن لكم فيهم نسباً وصهراً).
ويقول (ص): من آذى ذمياً كنت خصمه يوم القيامة.
وعلى هدي الرسول الكريم في تسامحه ذي النزعة الإنسانية الرفيعة سار خلفاؤه من بعده فإذا بنا نجد عمر بن الخطاب، حين يدخل بيت المقدس فاتحاً يجيب سكانها المسيحيين إلى ما اشترطوه: من أن لا يساكنهم فيها يهودي وتحين صلاة العصر وهو في داخل كنيسة القدس الكبرى فيأبى أن يصلي فيها كي لا يتخذها المسلمون من بعده ذريعة للمطالبة بها واتخاذها مسجداً! ونجده وقد شكت إليه امرأة مسيحية من سكان مصر أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرهاً عنها، فيسأل عمراً عن ذلك فيخبره أن المسلمين كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم وفي جواره دار هذه المرأة وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها وبالغ في الثمن فلم ترض، مما اضطر عمراً إلى هدم دارها وإدخالها في المسجد ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت ومع أن هذا مما تبيحه قوانيننا الحاضرة، وهي حالة يعذر فيها عمرو على ما صنع فإن عمر لم يرض ذلك وأمر عمراً أن يهدم البناء الجديد من المسجد ويعيد إلى المرأة دارها كما كانت!
هذه هي الروح المتسامحة التي سادت المجتمع الذي أظلته حضارتنا بمبادئها فإذا بنا نشهد من ضروب التسامح الديني ما لا نجد له مثيلاً في تاريخ العصور حتى في العصر الحديث!
فمن مظاهر التسامح الديني أن المساجد كانت تجاور الكنائس في ظل حضارتنا الخالدة وكان رجال الدين في الكنائس يعطون السلطة التامة على رعاياهم في كل شئونهم الدينية والكنسية، ولا تتدخل الدولة في ذلك بل إن الدولة كانت تتدخل في حل المشاكل الخلافية بين مذاهبهم وتنصف بعضهم من بعض: فقد كان الملكانيون يضطهدون أقباط مصر في عهد الروم ويسلبونهم بعد ذلك على الملكانيين انتقاماً مما فعلوه بهم قبل الفتح العربي الإسلامي، فشكوا ذلك إلى هارون الرشيد فأمر استرداد الكنائس التي استولى عليها القبط بمصر وردها إلى الملكانيين بعد أن راجعه في ذلك بطرك الملكانيين.
بين عالم الغيب والشهادة
إن الخلاف بين الديانات في معتقدات عالم الغيب لا يمنعهم من التعاون على عالم الشهادة وأعني بالذات ما يعتقده أهل كل دين في الآخرين فيما يتعلق بالجنة أو النار: فالكنيسة المسيحية تعتقد أن الخلاص والغفران ودخول ملكوت الله والفوز بالجنة – لا يحظى به ولن يناله إلا المؤمنون بعقيدة الخلاص والصلب والفداء، وهذه العقيدة هي مفتاح الجنة.
وترى اليهودية أن الله تعالى قد اختار واصطفى شعباً من الشعوب جعلهم محل تكريمه في الدنيا والآخرة ولذا فإنهم موعودون بالجنة التي خلقت لهم ومن أجلهم دون سواهم.
بينما يرى المسلمون كما يذكر قرآنهم أن للجنة مفتاحاً واحداً لا ثاني له وهو (كلمة التوحيد): لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبالتالي فلن يشم ريحها من لقي الله بغير هذه العقيدة.
وهذه القضية بالذات بيد قيوم الأرض والسموات والخلاف فيها غير عملي فإذا كنا نختلف حول مسألة جنة الآخرة في الحياة الأخروية، فإن الديانات تدعو وتحض على التعاون لتحقيق جنة الحياة الدنيوية، وذلك بالتآخي، والتآزر والتعاون على عمارتها، وتنمية مواردها، والاستفادة من ثرواتها، وإقامة العدالة والمساواة بين أهلها، وإغاثة البائس والملهوف من فقرائها، والعمل المشترك على إنهاء الحروب والخلافات والنزاعات والصراعات التي تجلب على البشرية الدمار والبوار.
إن الإسلام ينظر إلى الخلافات العقدية بين البشر نظرة عقلانية موضوعية، ويفرض على المسلمين التعامل معها بعلاقة الدعوة:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ)(البقرة: 83).
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125).
ويذكرهم القرآن دائماً أن الخلاف بين الشرائع والأمم شيء طبيعي خاضع لحكمة الله تعالى ومشيئته
(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (المائدة: 48).
وقال تعالى:
(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) (يونس: 99).
والآيات القرآنية الدالة على مبدأ التسامح مع الآخرين كثيرة، وهي التي تؤصل قاعدة أصلية:
(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 256) فالدنيا هي موضوع الآخرة والأولى عالم شهادة بين أيدينا والثانية عالم غيب بيد الخالق جل وعلا فلنتعاون على ما في يد الخلق ولندع الخلاف على ما بيد الخالق وإن كان هذا لا يمنع المؤمن من أن يهدف موضوع حركة حياته بما يرجوه من ثواب الله يوم القيامة بالنية والإخلاص والتوجه وهذه الأعمال قلبية لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وتعالى.
الناس أعداء لما جهلوه
إن الإنسان الغربي تكونت لديه عواطف ومشاعر نحو الإسلام والمسلمين بما استمده واستقصاه من مصادر فكرية ومعلوماته وأهمها: 1. وسائل الإعلام ذات الأيديولوجية والتوجه المعادي للإسلام. 2. الكتب التي ألفها بعض المستشرقين الحاقدين. 3. الحالة الاجتماعية والسياسية التي تعيشها شعوب العالم الإسلامي.
(لا شك أن للإعلام المرئي والمسموع والمقروء تأثيره وتجنيده وتسخيره للعقول والأكفار والأمة الإسلامية خسرت خسارة فادحة في هذا المضمار فقد سيطرت الصهيونية العالمية على منابعه ومصادره ولعبت الدور الأكبر في هذا التضليل والتجهيل الذي يعاني منه الإنسان الغربي نحو الإسلام والحقائق والوقائع واضحة وضوح الشمس للقريب والبعيد).
الفارق بين الإسلام والعلمانية في مفهوم الغاية والثمرة
إن الإسلام يربط بين الدنيا والآخر فيجعل الأولى مزرعة للثانية فالإسلام إن صح التعبير كطير يحلق بجناحين جناح يضرب به لتحقيق الاستخلاف في الدنيا وجناح تعبدي يحقق به ثواب الآخرة بينما العلمانية طائر بجناح واحد بل جناح مكسور بلا ريش فالإسلام يستوعب العلمانية ولكن العلمانية لا تستوعب الإسلام ومن المغالطات المزرية ما يقوله البعض من أن الدين والدنيا طريقان منفصلان، والاشتغال بأحدهما خراب للآخر فهذا كلام من يهرف بما لا يعرف قال تعالى:
(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(القصص: 77).
فكما أن الجسد وعاء الروح لا يتحقق وجودها وحياتها إلا به فكذلك الدين كأوامر وأحكام وتشريعات لا تطبق في القمر أو المريخ وإذا كنا نعيب على بعض المتدينين هذا الفهم السقيم فإننا نرى العلمانية علاوة على أنها تقطع صلة الإنسان بأي هدف أُخروي وترجح كلام الخلق على كلام الخالق والقانون الوضعي على القانون الإلهي فإنها لم تحقق له الهدف الدنيوي بتوفير جنه الدنيا، وها هو الواقع خير شاهد على فشل النظريتين الماديتين العلمانيتين: الاشتراكية التي قسمت الفقر والعوز بين مواطنيها، وخلقت مجتمعات محرومة بائسة بلغ بها الأمر أن الإنسان يأكل لحم أخيه الإنسان (كما حدث في روسيا) من قبل والنظرية الرأسمالية، وما جنى منها المجتمع الغربي إلا مزيداً من الفراغ الروحي والفساد الأسري والتفسخ الاجتماعي.
الإسلام والحضارة
وبهذا الربط وعلى هذه الشمولية، قامت دولة الإسلام وأشرقت شمس حضارتها على العالمين وتراثها هو المصدر الأصلي لكثير من العلوم التي اقتبسها الأوربيون وطوروها ويؤكد الباحثون أن ثلاثة علوم نشأت نشأة عربية خالصة لا يد لغير العرب فيها وهي: 1. علم الكيمياء. 2. علم الجبر. 3. علم البصريات. والتاريخ سجل بمداد من ذهب في صحائف من نور عمالقة العلوم في شتى المجالات، والتي قامت على أنقاضها الحضارة الغربية.
الحضارة في مفهومها الحقيقي والإنساني
إن التقدم التقني والتحضر المدني لا يكون حضارة إذا لم يرتق بمكانة الإنسان ويرفع مرتبته إلى حيث يريد له خالقه من السمو والرفعة والرقي والتكريم على سائر المخلوقات فلا تستعبده شهواته ولا تتحكم فيه أهواؤه ونزواته.
إن الحضارة الحقيقية هي التي تعني بالجانب الروحي والمادة على السواء فالمدنية التي تتفنن في إحداث وسائل الإغواء والإغراء ليقدم الإنسان روحه قرباناً على مذابح الملذات والشهوات ليست من الحضارة في شيء والمدنية التي تعمل على التفسخ الأسري والانحلال الأخلاقي ليست من الحضارة في شيء.
سَمَّوكَ يا عصرَ الظلام سفاهةً
عصرَ الضياءِ وأنت شرُّ الأعصُرِ

وتقدَّمتْ فيكَ الحضارةُ حسبَما
قالوا فيا وحشيَّةَ المُتحَضِّرِ

وتَنَوَّرَتْ فيك العقولُ وإنما
يَقَعُ الخرابُ بِزِلْةِ المُتنوَّرِ

والعلِمُ قد يأتي بكلِّ بلِيَّةٍ
ويسيرُ نحو المَوتِ بالمُستبْصِرِ

ما الذي يمكن أن يقدمه الإسلام للمجتمعات الغربية
اعتماداً على ما ذكر يتضح جلياً أن المجتمعات الغربية تملك مدنية تقنية علمية ولكنها من المحال أن تتحول إلى حضارة نافعة مفيدة يسجلها التاريخ بين صفحاته إلا إذا عولج ما يعتريها من خلل أخلاقي وفراغ روحي وخواء ديني.
وهذا ما يملكه الإسلام متمثلاً في كنوز روحية فكرية أخلاقية كَوَارثٍ للشرائع السماوية السابقة. وملائمتها لكل زمان ومكان. في دستور كامل متصف بالدوام والاستمرار وهو وحده القادر على ملئ الفراغ وسد هذا النقص لأن الإنسان صُنع الله ولا يصلح حال العباد إلا منهج رب العباد. ولأنه يملك من المبادئ والتعاليم والقيم التي يدور فلكها وتوجه أهدافها وغاياتها للمحافظة على الكليات الخمس:
(1) الدين. (2) النفس. (3) العرض. (4) المال. (5) العقل.
هذه هي عقيدة الإسلام قولاً وعملاً وتطبيقاً بما يشهد به التاريخ ويؤيده المنصفون:
وهذا ما ينبغي تعميقه بين شباب الصحوة ولو أننا طالعنا ما سجله المؤرخون الغربيون أمثال (جوستاف لوبون) و(بودوان) و(برنادر الخازن) من وصف للمجازر والفظائع التي اقترفها الغربيون عند زحفهم إلى فلسطين في الحروب الصليبية بقيادة (بطرس) الناسك و(أوريانوس) الناسك.
ورحم الله من قال:
مَلَكْنا فكان العفو منَّا سَجِيَّةً
فلما ملكتم سال بالدم أبْطُحُ

فلا عجب هذا التفاوت بيننا
وكلٌ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ

والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

(*)من بحوث المؤتمر الدولي السادس للتقريب بين المذاهب الاسلامية - لندن، الدور الحضاري للتقريب في تحقيق السلم الاجتماعي، 29/9/2012م - الموافق 12 ذي القعدة 1433هـ- المركز الاسلامي في انجلترا)