البحوث و المقالات 

 الصور 

 الاخبار 

بيان استنكار وإدانة لقرار اسقاط الجنسية البحرينية عن سماحة الشيخ عيسى قاسم من المركز الاسلامي

البيان الختامي للمؤتمر التاسع لمنتدى الوحدة الاسلامية: نحو وعي مجتمعي لمستلزمات النهضة الحضارية

مولوي عبد الحميد : المشتركات بين السنة و الشيعة كثيرة، و الاختلاف ضئيل وهامشي

في احتفالية الذكرى السنوية 37 لانتصار الثورة الاسلامية في ايران الشيخ الشمالي: انتصار الثورة الاسلامية في عام 1979م كان انجازاً لجميع المتدينين في العالم

جانب من وقائع المؤتمر الصحفي لسماحة الشيخ الدكتور الشمالي (رئيس المركز الاسلامي في انجلترا)

كلمة سماحة آية الله الشيخ محسن الاراكي في المنتدى الاسلامي الدولي11، ألقاها بالنيابة الدكتور علي رمضان الأوسي

مؤتمر صحفي تحت عنوان: (نداء السلم و المحبة في مواجهة التطرف والعنف في كل مكان) في المركز الاسلامي في انجلترا

دعوة عامة لکتابة البحوث و المقالات حول الأزمات الراهنة في العالم الإسلامي لتقديمها في المؤتمر الدولي (29) للوحدة الاسلامية في طهران

شيخ الازهر يدعو آية الله مكارم شيرازي للمشاركة في "ملتقى تحريم اصدار فتاوی قتل المسلمين"

البيان الختامي لاجتماع مجمع أهل البيت (ع)

مشروع التقريب: استجابة للوحدة التي دعا إليها الاسلام/الدكتور نابي بوعلي


التقريب مشروع عملي لبناء الأمة الواحدة

عنوان المداخلة: مشروع التقريب: استجابة للوحدة التي دعا إليها الإسلام

"إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي شرف هذه الأمة بنعمة الإسلام وجعلها خير أمة أخرجت للناس، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، والصلاة والسلام على أشرف النبيين وسيد المرسلين محمد بن عبد الله، نبي الرحمة الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله خير جهاده.
السيدات والسادة...
أصحاب السماحة العلماء... والمفكرين والباحثين... والأساتذة الموقرون،
أيها الحضور الكرام...
أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مقدمة :
لقد عقدنا النية على المشاركة في المؤتمر الخامس الذي انعقد السنة الماضية، ولكن كانت هناك ظروفا موضوعية تحالفت ضدنا، فحالت بيننا وبين الحضور، ولكن تلك النية ظلت معقودة في القلب، وظل الأمل قائما حتى تحقق بفضل الله سبحانه وتعالى هذه السنة، ولذلك لا أخفي سعادتي لوجودي بينكم اليوم تحت سقف المركز الإسلامي بلندن في رحاب هذا المؤتمر العلمي المبارك. وأغتنم هذه الفرصة لأزف تحية حارة للأستاذ الموقر الدكتور على رمضان الأوسي الذي كان له الفضل الكبير في ترتيب هذه الزيارة التي سمحت لنا بالمشاركة في فعاليات المؤتمر، واسمحوا لي كذلك بهذه المناسبة أن أعبر عن خالص شكري وعميق امتناني، وعظيم تقديري للشيخ المعزي على دعوته الكريمة، والشكر موصول إلى كل من تحمل عبء التحضير لهذا المؤتمر العلمي من جنود الخفاء الذين قيضهم الله لخدمة الأمة الإسلامية.
إن مؤتمرا موضوعه التقريب بين المذاهب الإسلامية ـ خاصة وأن أحوال الأمة الإسلامية اليوم ليست خافية على أحد ـ لجدير بأن تشد إليه الرحال، لأنه من جهة يمثل فرصة حقيقة للتلاقي، ومن جهة أخرى يفتح آفاق المستقبل للعمل المشترك وخلق فرص جديدة للحوار المسؤول، الذي يستفيد منه الجميع ولا يستثنى منه أحد.
وفي هذا الزمن الذي تتزايد فيه الهجمة الشرسة على الأمة الإسلامية، وتشتد فيه كل أشكال الحصار، وتتصاعد فيه دورة العنف بشكل غير مسبوق التي تسعى إلى تفكيك هويتها ووحدتها المادية، فلا خيار لنا أمام التحدي إلا رفعه حتى ننتزع لأنفسنا مكانا تحت الشمس. كل الأمم تتعرض لصفعات التاريخ، ولكن الأمم العظيمة والشعوب الحارة لا تضع يدها على موضع الألم، حتى لا تراها الأمم الأخرى، وإنما تتحسس طريقها بثقة وثبات لتعود إلى حلبة التاريخ وفي زمن قياسي، والأمة الإسلامية بحكم رسالتها الخالدة في التاريخ محكومة بحتمية التفاؤل الدائم "فإن مع العسر يسرا،إن مع العسر يسرا"(1). كما أنها محكومة أيضا بحتمية الانتصار على مكائد أعدائها الذين يتربصون بها، وحلفاء إبليس تحقيقا للوعد الرباني" يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون"(2).
هذه الحقيقة الربانية والوعد الصادق يجعلنا نطمئن على نجاح جهود التقريب كمشروع عملي للوحدة الإسلامية، ونبارك هذه المبادرة للمركز الإسلامي الذي جعل التقريب من المسائل التي تحتل الأسبقية الزمانية على سلم الأولويات، لأن حتمية التلاقي والتقارب بين المسلمين وتوسيع دائرة الفكر التقريبي واجبة على كل مسلم يشعر بالانتماء إلى المنظومة القيمية للمجتمع الإسلامي، مهما تبدو الأيادي العابثة بمصير الأمة طويلة ودموية، ومهما سعت المخططات الجهنمية إلى التفتيت والتفكيك والخلخلة. إن المتتبع لحقائق التاريخ يدرك بوضوح أنه في كل منعطف تاريخي يراد لهذه الأمة أن تختلف وتتنازع فيما بينها، وتأكلها الفتن والصراعات السياسية المشبوهة الرامية إلى تقطيع أوصالها واستئصال وجودها حضاريا وثقافيا، وبالتالي إقصاءها تاريخيا ووضعها في خانة التهميش والمهمش، لتتقهقر إلى المقعد الخلفي في دائرة التصنيف الحضاري، وتفقد دورها الريادي في المشهد العالمي، وتعود إلى حالة العشيرة والقبيلة، وهو وضع يهدد الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي، ومدخل لتقسيم الأوطان، لكي تضع القوى الاستعمارية الجديدة العالم الإسلامي تحت الابتزاز المستديم، ويبقى المسلمون مجرد ورقة في حسابات الأقوياء. هذا هو الحلم الذي سيطر على الغرب المسيحي صاحب شعار"فرق تسد" الذي يسعى إلى استغلال الثغرات في صفوف المسلمين من خلال الخلافات السياسية، وصراع الهويات المفتعلة وتجييش سلاح الطائفية، وهو الحلم الذي لا يزال يراود قوى الاستعمار الغربي اليوم، التي تريد أن تنصب نفسها وصية على العالم، من خلال محاولة الدمج التدريجي له بقوة الإكراه في نظام عالمي متعولم وحيد الهدف والنمط وتعويم العالم فيه. إن ما يحدث من حراك على المسرح السياسي العالمي، لا ينبغي النظر إليه بمعزل أو استقلالية عن تركيبة النظام الغربي وضغوطه وسياسته التخريبية، فالمؤامرة كبرى على الأمة الإسلامية، فما جرى للعراق هو نفس المخطط الذي ينفذ اليوم في اليمن وليبيا وسوريا وربما تكون هناك دولا إسلامية أخرى مرشحة للتفتيت من قبل سماسرة العالم. إن ذلك الحلم لن يتحقق أبدا، لأن الأمة الإسلامية ليست محدودة بالزمان والمكان، بل يتسع أفرادها باستمرار بالدخول في دين الله، ثم إن الأمة الإسلامية تعرف كيف تتعاطى بذكاء مع مشاكلها، وتعرف كيف تحسم خياراتها، وكيف تدافع عن مصالح شعوبها. ويأتي المؤتمر السادس للتقريب بين المذاهب الإسلامية هذه السنة في إطار سلسلة المؤتمرات والندوات التي انعقدت في لندن بدعوة من المركز الإسلامي في انجلترا على مدى السنوات الخمس الماضية، والتي كانت قد عالجت مسائل مهمة متعلقة بأصل التقريب وضرورته، ونصرة القرآن الكريم والنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وكون التقريب تكريماً للإنسان وتعزيزاً للوحدة الإسلامية وكذلك دوره في نهضة الأمة وبناء مستقبلها، والصحوة الإسلامية العالمية ومشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية، كأمر تقتضيه أكثر من ضرورة على الصعيد الحضاري في زمن التكتلات والأحلاف في الغرب والموجهة ضد المسلمين. وبناء على هذه الرؤية الواعية التي دشنها المركز الإسلامي، وفي نفس المسار ينعقد المؤتمر الدولي السادس ليعالج الدور الحضاري للتقريب بين المذاهب في تثبيت أركان السلم الاجتماعي كأحد الشروط الأساسية لاستقرار الإنسان وسعادته وبناء الحضارة وتعمير الأرض وعبادة الله عز وجل، وهي الغاية الكبرى من استخلاف الإنسان وتكريمه وتفضليه على سائر المخلوقات الأخرى.

1- التأصيل الديني الإسلامي لمفهوم السلم الاجتماعي:
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز بعد بسم الله الرحمن الرحيم:" فليعبدو رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"(3). صدق الله العظيم. إن هذه الآية الكريمة تلخص لنا أهم شرطين جوهريين لبناء الحضارة واستقرار الإنسان على الأرض لتعميرها، وهما: الأمن السياسي والأمن الاقتصادي، بوصفهما قاعدة الأمن والسلم الاجتماعي، وما يترتب على ذلك من كل أشكال الأمن الأخرى مثل الأمن النفسي والأمن الفكري...، ومن هنا ندرك الأهمية الكبرى التي توليها الرؤية القرآنية والهدي النبوي لمفهوم السلم الاجتماعي، حيث وجه الإسلام اهتمامه إلى تربية الإنسان باعتباره حامل الفكرة الدينية ومجسدها في حياته الاجتماعية وفي علاقته مع الآخرين، وذلك من خلال الانطلاق من الحمولة الروحية التي يخص بها الإسلام مضمون وأبعاد السلم الاجتماعي كمعطى شارط للنهوض الحضاري الإنساني. وبهذا الاعتبار يكون السلم مطلبا اجتماعيا محوريا يشكل همّ المجتمع بكامله ولا يقتصر على جهة والباقي يتفرج، فثقافة ترسيخ السلم الاجتماعي وضمان عوامل استدامته يصنعها الجميع ويحميها الجميع." يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة"(4). ومن هنا يجب التأكيد على أن الإسلام هو دين السماحة والتسامح، والقيم الكونية التي تجعل الفرد والمجتمع أكثر أمنا واستقرارا واطمئنانا. لأنه دين يجنح إلى السلم قبل الحرب، وإلى إصلاح ذات البين، وإلى العفو والصلح والصفح الجميل والتسامح ... وهي ثوابت متجذرة في أمة قادمة من قلب التاريخ، ثوابت تشبع بها أفرادها الذين ترعرعوا في أحضانها وآمنوا بمبادئها، وهذا عكس ما تنشره بعض استطلاعات الرأي الغربية المغرضة عن الإسلام بأنه دين غير متسامح، وتنسب إليه العنف ظلما، ولا ندري السر الكامن وراء الإصرار في التخويف من الإسلام والهجوم عليه ومحاصرته، والترويج لصناعة ثقافة الكراهية وترويج الإسلام فوبيا. من هنا فإن إرساء قواعد السلم الاجتماعي على الأسس الأخلاقية الرفيعة ستجنب الإنسانية ويلات الحروب والخراب، وتبني جسور التعاون والعلاقات، وتقوى قيم التكافل ونبذ الخلافات وتجاوزها، وهو ما يسمح بتبادل المنافع والخيرات لصالح جميع الأطراف. ولكن ينبغي النظر إلى مدى قدرة المسلمين اليوم على تجسيد الفكرة الدينية لمضمون وأبعاد السلم الاجتماعي في سلوكاتهم الاجتماعية وفي علاقاتهم مع الغير أسوة بالرسول الأكرم الذي كان خلقه القرآن، أي كان قرآنا متحركا.
ولقد قدم الإسلام أروع الدروس في السلم الاجتماعي ومظاهر التسامح الديني وحارب كل العلاقات التي يشوبها التوتر، فعندما فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة سامح من أذوه وأخرجوه مكرها منها، وقال لهم:"اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وفي ظل هذا المناخ كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ودون إكراه. ومن مظاهر التسامح والسلم الاجتماعي احترام كل الديانات الإلهية وأماكن العبادة والمقدسات، ومن مظاهر السلم الاجتماعي أن عاش أهل الذمة في كنف المجتمع الإسلامي في أمن وأمان، حتى وصل البعض منهم إلى مناصب عالية في الدولة الإسلامية من أطباء ووزراء وغيرها من المناصب الحساسة في دواليب الحكم. فلو كان المسلمون أهل تعصب ما وصل هؤلاء إلى هذه المناصب؟. ومن هنا سر اهتمام الإسلام بالسّلم الاجتماعي واستنكاره الشديد لارتكاب الجرائم باسم الهوية المذهبية على الهوية المذهبية.
ومن المؤشرات القوية الدالة على أن الأمة الإسلامية تعيش صحوة لإعادة اكتشاف ذاتها في خضم الصراع، هو وجود قناعة كبيرة لدى الكثير من المهتمين من النخب المثقفة والمؤسسات العلمية وحتى الدوائر السياسية حيث تعالت الأصوات الداعية إلى ضرورة التقريب، ولعل الأصوات المنادية بوحدة المسلمين وتقاربهم والجهود المبذولة من أجل مواجهة الأخطار والتئام شمل الأمة، هي وراء هذا الظهور لبشائر الصحوة الإسلامية في عالمنا الإسلامي" فحرام أي حرام أن يتكتل أهل الباطل، ويتفرق أهل الحق، وأن يوالي الذين كفروا بعضهم بعضاً، ويعادي الذي آمنوا بعضهم بعضاً"(5)..إن تلك القناعة أخذت تتوسع باستمرار بعد أن انطلقت مسيرة التقريب المظفرة" فالوحدة إذا مطلب إسلامي عظيم، والأمة الإسلامية إن لم تكن موحدة فإنها تفقد خصائصها القرآنية... إن الثقافة الدينية كلها هي ثقافة الوحدة، وأن قضية التقريب بين المذاهب هي في الواقع سبيل من سبل تحقيق هذه الوحدة لأن التوافق الفكري مقدمة للانسجام العملي"(6).

2- تطلعات الإنسان إلى السلم الاجتماعي في ظل الصراع الحضاري:
إن قراءة بسيطة في المشهد العالمي تجعلنا ندرك مظاهر العنف وأكثرها دموية، التي أصبحت تميز العقل الغربي في تعامله مع ألآخر، ومع الحضارات المجاورة له التي قد تصل إلى درجة الإلغاء. وفي ظل تنامي مظاهر القلق والخوف صار البحث عن السلم الاجتماعي هاجسا في عالمنا المعاصر، بعدما تصاعدت فيه دورة العنف والعنف المضاد بسبب الاحتكاك الحضاري من أجل الهيمنة، الذي تغذيه عناصر التطرف والتعصب العنصري والديني، حيث تسارعت مظاهر الصراع، ودخلت فيه البشرية فعليا ألفية ثالثة موسومة بالتأزم الشديد الناتج عن الضغط العالمي، في عالم قل فيه الأمن وارتفع فيه منسوب الخوف، إلى درجة صارت فيه الأوطان العربية والإسلامية مستباحة في ظل عدالة دولية ملتبسة، حيث ضاع فيها الحق وضاعت معالمه، وتراجعت فيها القيم الإنسانية والروحية، وازدادت سيطرة العقل ألأداتي الذي مهد للاهتمام بالمادة وهي سمة العنف التي طبعت العقل الغربي منذ تشكله، وتصدرت فيه الحروب الواجهة، وصار الضعفاء تحت رحمة الأقوياء في زمن يبدو أنه حسم لصالح الكبار حيث طغت فيه المصالح الدولية على حساب القانون والعدالة مما وسع من بؤر التوتر في العالم.
هكذا بدأ العالم يفتقر تدريجيا إلى المبادئ والقيم الروحية لاستمرار التجربة الإنسانية وسعادة البشر. وفيه تحولت المنطقة العربية والإسلامية إلى ضحية مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أعلنته أمريكا منذ سنة 2003 وهو مشروع يهدف إلى تمزيق المنطقة العربية عن طريق نشر الفتن والحروب الأهلية المفتوحة على أسس عرقية ودينية وجهوية، ومضاعفة بيع الأسلحة واعتبارها موردا اقتصاديا ضخما وإقامة القواعد العسكرية الدائمة لابتزاز دول المنطقة وإدامة الصراع والفوضى.
هذه التغيرات المتسارعة التي نعيشها سواء داخل فضاء الأمة الإسلامية أو خارجه، بالإضافة إلى صحوة الشعوب الإسلامية في الدفاع عن حقوقها قد فرض واقعا جديدا على الأرض، فتطلعات الشعوب إلى المزيد من الحرية والوحدة والتوحد والعودة إلى المسار الصحيح في التاريخ، فرض حتمية التلاقي والانفتاح والتكامل والإسراع في تصحيح الأغلاط والأوضاع المنحرفة، وتقويم الاعوجاج والإسراع في تشخيص الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومعرفة التحديات التي تواجه الأمة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. ومن هنا ضرورة استخدام منهج الحوار كمدخل رئيس لكل تقارب، وتفعيل التقريب كخطاب مضاد لخطاب الكراهية وسخافة التكفير. إنه يحتاج إلى دعم بقرارات سياسية حاسمة، هي التي تحول هذا المشروع من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل تحقيقا لتطلعات المسلمين المتعطشون إلى التقدم وتجاوز مظاهر التخلف والتبعية للغرب. كما يفترض أن تمتد ثقافة التقريب إلى عمق الفئات الاجتماعية ولا تبقى حكرا على النخب الفكرية، وينبغي أن تشكل إحدى القيم المركزية التي تحكمها وتوجهها وتعمل على إعادة صياغة المنظومات القيمية والثقافية التي تكون لديها القدرة على إحداث تحول في المحتوى النفسي والعقلي ومن ثمة إعادة تأهيل الإنسان وفق متطلبات العصر وما يفرضه من تحديات خطيرة، ولذلك لا بد من فتح نقاش مسؤول حول إمكانيات مساعي التقريب والتحديات التي يواجهها. وفي هذا المجال يتساءل عبد القادر بوعرفة قائلا:" هل يمكن أن نؤسس لخطاب المحبة والعفو في ثقافتنا المعاصرة بالرغم من سيطرة خطاب التكفير؟ وهل يمكن أن نحل مشاكل العالم العربي والإسلامي بثقافة الكراهية؟ وما البدائل الممكنة؟ وما الخطاب الذي يستطيع أن يحد من حدة وشدة خطاب الكراهية والتكفير؟"(7). إن هذا المؤتمر إذ يترجم رغبة الكثير في الاتحاد والتوحد يفتح أمامهم أفقا لكل أشكال العمل المشترك، لا سيما وأن ما يجمع المسلمين أكثر مما يفرقهم والمقام هنا لا يسمح بتعداد المقومات الروحية والمقومات المادية التي تحقق التقارب.إن ترجمة التقريب في الواقع ضمن الإطار الإسلامي يفضي إلى تحقيق السلم الاجتماعي ويوحد الصفوف بعيدا عن أشكال العصبيات والتطرفات، وهو المدخل الصحيح لتحقيق الوحدة التي دعا إليها الإسلام"إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"(8).
وبهذه المناسبة نذكر ببعض آليات بناء السلم الاجتماعي وحشد الطاقات،لأن كل مشروع لا يكتب له النجاح إلا إذا توفرت آليات تنفيذه على أرض الواقع، حيث نشير على سبيل المثال إلى جانبين على درجة كبيرة من الأهمية هما: البرامج التربوية والتربية الأسرية، والمناهج التعليمية، ثم البرامج الإعلامية، حيث يتصدر الإعلام الواجهة نظرا لفاعليته وقدرته على توحيد الرؤى والمواقف وسهولة الوصول إلى الجميع. بدل المكوث عند حالة تجميد الفكر وتغييب روح الاجتهاد التي سادت لفترة من الزمن والتي لم تسمح بإنتاج نظم قوية تسهم في تقدم الأمة.


3- رسالة التقريب وتفعيل خطاب التقريب:
إن مشروع التقريب، مشروع عملي لبناء الأمة الواحدة. يحاول أن يجسد لحظة وعي تاريخية وصحوة ضمير، تعمل على تنوير العقول التي لا تزال تعيش داخل كهوف الجهل والظلام، ومكبلة بأفكار الماضي التي لم تعد قادرة على مخاطبة هموم العصر وتحدياته، إنه مسعى لإعادة الحوار من مملكة النفوس الميتة إلى مملكة النفوس الحية كما قال على رمضان الأوسي في مقاله:التقريب من الوسطية إلى الحوار" هناك صراع بين ثقافتين: ثقافة الوعي والحرص على مكانة هذه الأمة وحماية الشريعة والمبادئ السمحة التي انطلقت بها وبين ثقافة التخلف والقهر والجهل وقد شاهدنا في أكثر من مشهد كيف تتواجه الثقافتان وتتصادمان بل كيف يتصارعان"(9).
و لذلك يسعى مشروع التقريب إلى تحقيق أهداف تسهم لا محالة في ترميم حلمنا في أن نصبح أمة واحدة متحدة تتجاوز الخلافات الظرفية والطارئة لتستقر عند الأصل والمرجع، الذي لا بديل لها عنه، فالمسلمون أهل نص واحد، وقبلة واحدة، وإرث إسلامي واحد، تجمعهم وحدة الآمال والآلام، خاصة وقد فرطنا في الكثير من مغانم الدهر، وخسرنا الكثير من الفرص بسبب تلك الخلافات. إن الوحدة التي تفترضها حقائق الراهن تتطلب التسامح، إذ لا يمكن بناء المستقبل على أحقاد الماضي، حيث صار الخروج من قوقعات الماضي وصراع الهويات المفتعل والتعاطي بايجابية مع واقع اليوم حتمية وجودية، وضرورة بقاء، لا سيما ونحن نواجه تحديات وأخطارا أكثر من الماضي في أبعادها وفي مآلاتها وفي عنفها.
إن وقائع التاريخ تبين بما فيه الكفاية أنه كلما استوطنت الطائفية مكانا إلا وتراجعت فيه قيم التعايش السلمي والتسامح والتآخي وحلت محلها الريبة والشك وصنوف الغدر، فالطائفية بوصفها البنية الحاضنة لكل أشكال التوترات والمآسي الاجتماعية هي المسوؤلة بالتالي عن تفكيك النسيج الاجتماعي وتمزيق وحدته، والزج به في تجارب الدم والدموع من خلال إشعال فتيل الحروب الأهلية وصناعة ثقافة الكراهية، التي تجرف المجتمع نحو الصراعات الدينية، ويتحول من مجتمع يحمل مشروعا حضاريا إلى مجتمع يحمل مشاريع الطائفية المقيتة التي تنمو على هامش الدولة والتي تؤدي إلى إضعافها" ولذلك لا تجتمع الطائفية والدين في مجتمع واحد، ومكان واحد، حتى إن بدا أن هناك مظاهر دينية، أو أشكالاً في الالتزام الديني، فإما أن يكون ديناً أو تكون طائفية"(10).
التقريب هو بوابة للحوار، من خلال إشاعة روح المحبة، والإصلاح وتلطيف الأجواء الملبدة بالصراعات الوهمية، التي لن تقدم للإنسان شيئا ذي بال غير المزيد من حالات الاحتقان ومظاهر التفرقة التي تصب في مصلحة غيرنا بالضرورة مادامت لا تصب في مصلحتنا. وتكون رسالة التقريب هي إشباع الحاجة إلى التضامن المفقود وتعزيز الثقة والتعايش جنبا إلى جنب، فلا أحد من العقلاء يستطيع أن يتحمل الواقع كما هو، فالتشتت والتخلف ليس من قدرنا، بل فرض علينا وعوقبنا بسبب تطلعنا إلى الحرية والتقدم. إن الأمة الإسلامية بوصفها قوة فاعلة نظرا لإمكانياتها المادية والبشرية وثقلها الحضاري قادرة على تصحيح الأوضاع المغلوطة والمنحرفة، لأنها أمة واحدة حتى ولو فرقتنا الظروف في زمن الفتن والانقسامات. ونجاح التقريب يعني انجاز الخطوة الأهم على درب التصالح مع الذات ومع التاريخ، كما يعني سد الباب في وجه القوى المتربصة بالأمة الإسلامية، التي صارت تنازعنا حتى في قوتنا اليومي دون حياء، ويمنحنا القدرة والمناعة على مواجهة التحديات بفكر منفتح ومواقف صلبة وقيم توحيدية.
إن تشخيص حالة العالم العربي والإسلامي تضعنا أمام حقيقتين ناتجتين عن ضغط مزدوج لحتميتين تاريخيتين هما:
أولا: واقع تخلف الشعوب الإسلامية، ومأساة الأمة التي تحاول النهوض والتقدم منذ قرنين من الزمن إلا أن نهضتها ظلت متعبة ومتعثرة بفعل افتقارها للمشروع الوطني الواضح والمشروع السياسي البديل، وهي بالتالي حالة انسداد انطولوجي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية تترجم في تزايد مظاهر الفشل وحالات الإخفاق والإحباط وحالة الضنكية الحضارية التي أحدثت رجة قوية في الوعي الذاتي، وجعلت المجتمع الإسلامي يعيد التفكير في ذاته وفي مستقبله ومصيره، وأدراك البعد الزمني الذي باعد بينه وبين الحضارة، وأصبح بسببه يعيش هاجس الإقصاء التاريخي ، كما مهدت لميلاد الرأي العام الذي بدأ بالتشكل ولو بصورة جنينية ودشنت العديد من الثورات في العالم العربي ضد الاستبداد، وجعلت شعوبا تحيا من جهة وأنظمة تموت من جهة أخرى.
ثانيا: ضغط التقدم الرهيب والمتسارع للغرب الذي نجح في بناء حضارته ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفرضها على غيره من الشعوب بوصفها المرجع لكل تقدم حضاري ممكن، والنموذج النهائي المتكامل لحركة التاريخ، من خلال فتوحات العولمة الزاحفة وعولمة قيمها التي تحاول الإجهاز على ما حولها في عملية غزو ممنهجة.
لذلك نعتقد أن التقريب يسهم في تجاوز حجم المأساة المزدوجة التي تعبر عن لحظة عدمية تاريخية، وحالة إقصاء تاريخي تكاد لا توجد للمسلمين بصمة فيها، حيث صار كل شيء يصنع في غيابهم وخلف ظهورهم. إن هذا التماس مع الواقع الجديد الذي رافق إفرازات المشهد العالمي الجديد، قد كشف عن الهوة السحيقة التي يصعب ردمها في المدى القريب، وهو ما جعل المسلمين يدركون واقع التأخر المفجع الذي هم فيه مقارنة مع غيرهم من الشعوب الأخرى، التي تلتهم اللقمة تلو اللقمة لفرض وجودها التاريخي، وهو ما أعاد إلى الأذهان طرح تساؤلات مشروعة من مثل: كيف تضاءلت فرص التقدم أمام المسلمين وهم يمتلكون كل مقومات التقدم؟. إنّ هذه التحديات والأخطار تُلزمنا التسريع في تفعيل الأساليب العملية لتحقيق التقارب بين المسلمين ونسيان نقاط الاختلاف وتأجيلها. إذ لا يكمن للأمة الإسلامية بكل إرثها الحضاري ومعطياتها التاريخية وإسهاماتها المشرقة في الحضارة الإنسانية في عصورها الذهبية أن تبقى على هامش التاريخ، تواجه خطر الإقصاء التاريخي، وتتعرض للتآمر المتواصل بلا هوادة ضمن مخططات الاستعمار، وأن يظل مصيرها يقرر على طاولة سماسرة العالم، وفي مكاتب المؤسسات المالية الكبرى، لا ينبغي أن تبقى رهينة الصراع الدولي، وإلا سيستمر الوضع على ما هو عليه، ولذلك يكون الطرح الكتلي الحضاري هو المخرج من هذا الصراع، فتعدد الأقطاب هو الوضع الطبيعي، أما وجود قطب حضاري واحد هو ظلم ما دام يلغي بقية الأقطاب الحضارية الأخرى، في ظل عالم يحقق آفاق التقدم والسلم الاجتماعي الذي يضمن احترام حقوق الإنسان وترقيتها، ويعترف بالخصوصية والتميز الحضاري.
إن القرآن الكريم الذي نزل إلينا من السماء، هو الذي نسمو به إلى السماء، سماء المجد الحقيقي. التقريب هو الوسيلة الأفضل لتقريب المسافات وطي الخلافات التي لم تحصد من ورائها الأمة الإسلامية سوى الثمار المرة، فإذا لم تستمد الأمة قوتها من وحدتها فمن أين تستمدها؟ وكيف تبني نهضتها وهي مشتتة ومتفرقة؟ كيف تجدد شكل وجودها في التاريخ؟ كيف تجبر أعداءها على الاعتراف بها وهي في موقع الضعف وليس في موقف القوة؟.

خاتمة:
نتمنى أن يكون التقريب مدخلا للسلم الاجتماعي الحقيقي، وتمهيدا للتقارب السياسي والاندماج الاقتصادي في عالم لا يراعي إلا مصالح الأقوياء.حيث قفزت إلى الواجهة أنظمة سياسية واقتصادية مفرطة في استعمال القوة، وتقتات على ممارسة العنف، وتخوض حروبا ضخمة غير مشروعة تستنزف مقدرا ت الشعوب وثرواتها وتفكك بنيتها الاجتماعية وتحولها إلى مجتمعات استهلاكية تابعة، تدور في فلكها اقتصاديا وعسكريا وإعلاميا لأن إستراتيجيتها هي الهيمنة العالمية، فنحن مع السلم الاجتماعي الذي يضمن التنمية الشاملة، والحكم الراشد، والديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام القانون، والاستفادة من العلوم وتحقيق الاستقرار والرفاهية دون تمييز عرقي أو ديني أو جهوي أو لغوي أو أي مصدر آخر، وبالمقابل نرفض سلم الفقر والبؤس والتخلف والتبعية الحضارية والتقليد الأعمى المفضي إلى الجمود، خدمة لمصالح الإنسان وطموحاته في الحرية والتقدم والاستقرار، في عالم تسوده قيم الترابط، وتسمو فيه القيم الأخلاقية بوصفها الضامن الحقيقي لعدم انحراف السلوك البشري عن تحقيق آمال الإنسان في كنف السلم الاجتماعي، فالمسلمون كالجسد الواحد(لأن المعاناة واحدة، والمصير واحد) إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، تحقيقا للوصية الذهبية التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم الله المسلمين في حجة الوداع "لا ترجعوا كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"(11).
أيها الحضور الكرام: إذا كانت عباءة الحاضر قد ضاقت بمشاكلنا، فإن المستقبل يتسع لحلها لأن الممكن أفضل من المتعين. ولا سبيل لتحقيق خير المسلمين وسعادتهم إلا بوحدتهم والإعراض عن سبل الترفق، والتخلص من عبء المركزية الأوروبية، ذلك هو السر وتلك هي الوصفة، مصداقا لقوله تعالى:" وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"(12).
أجمل أمانينا للأمة الإسلامية بالوحدة، لأن البحث عن الوحدة يعني البحث عن الحلقة المفقودة. وأن ما يقدمه المركز الإسلامي بلندن من إسهام في تطوير الحوار وتعميقه حول القضايا الإسلامية لا يمكن إلا أن يوصف بأنه نشاط حضاري من جلائل الأعمال، ولحظة تاريخية فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية، ولذلك ينبغي أن يظل هذا المشروع الانشغال المركزي الذي تتوارثه الأجيال عبر الزمن تحقيقا لرسالته الحضارية للم شمل الأمة كي تعيش أزهى عصورها، وأحلى أيامها، وتلتحق بنادي الأمم المتقدمة، وهي قضية تظل محفورة في القلب والذاكرة يحملها كل مسلم ويسعى لتجسيدها واقعيا. أشكركم على كرم الإصغاء، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش:
(1) سورة الشرح، الآية5 - 6.
(2) سورة الصف، الآية 8 .
(3) سورة قريش، الآية 3- 4.
(4) سورة البقرة، الآية 208.
(5) يوسف القرضاوي، http : //www.suwaidan.com
(6) حوار مع آية الله التسخيري، http :Taghrib.org/¨pages/news
(7) عبد القادر بوعرفة، أسبوعية القادسية، الجزائر، عدد 51،سنة 2009.
(8) سورة الأنبياء، الآية 92.
(9) علي رمضان الأوسي، الإسلام والحياة، المركز الإسلامي انجلترا، أيلول 2012، العدد87.
(10) فؤاد إبراهيم، الطائفية وآثارها الاجتماعية.
(11) للمزيد راجع حجة الوداع للرسول صلى الله عليه وسلم.
(12) سورة آل عمران، الآية 103.

(*)الدكتور نابي بوعلي (جامعة معسكر/الجزائر)
(*) من بحوث المؤتمر الدولي السادس للتقريب بين المذاهب الإسلامية في لندن (الدور الحضاري للتقريب في تحقيق السلم الاجتماعي)في المركز الاسلامي في انجلترا 2012م.