البحوث و المقالات 

 الصور 

 الاخبار 

بيان استنكار وإدانة لقرار اسقاط الجنسية البحرينية عن سماحة الشيخ عيسى قاسم من المركز الاسلامي

البيان الختامي للمؤتمر التاسع لمنتدى الوحدة الاسلامية: نحو وعي مجتمعي لمستلزمات النهضة الحضارية

مولوي عبد الحميد : المشتركات بين السنة و الشيعة كثيرة، و الاختلاف ضئيل وهامشي

في احتفالية الذكرى السنوية 37 لانتصار الثورة الاسلامية في ايران الشيخ الشمالي: انتصار الثورة الاسلامية في عام 1979م كان انجازاً لجميع المتدينين في العالم

جانب من وقائع المؤتمر الصحفي لسماحة الشيخ الدكتور الشمالي (رئيس المركز الاسلامي في انجلترا)

كلمة سماحة آية الله الشيخ محسن الاراكي في المنتدى الاسلامي الدولي11، ألقاها بالنيابة الدكتور علي رمضان الأوسي

مؤتمر صحفي تحت عنوان: (نداء السلم و المحبة في مواجهة التطرف والعنف في كل مكان) في المركز الاسلامي في انجلترا

دعوة عامة لکتابة البحوث و المقالات حول الأزمات الراهنة في العالم الإسلامي لتقديمها في المؤتمر الدولي (29) للوحدة الاسلامية في طهران

شيخ الازهر يدعو آية الله مكارم شيرازي للمشاركة في "ملتقى تحريم اصدار فتاوی قتل المسلمين"

البيان الختامي لاجتماع مجمع أهل البيت (ع)

إحياء الحضارة الإسلامية في ظل خطاب الوحدة الاسلامية/الشيخ المعزي/رئيس المركز الاسلامي في انجلترا

من بحوث ا لمؤتمر الدولي الرابع للتقريب بين المذاهب الاسلامية في لندن : -دور التقريب في نهضة الأمة الاسلامية وبناء مستقبلها- في المركز الاسلامي في انجلترا

بسم الله الرحمن الرحيم

إحياء الحضارة الإسلامية في ظل خطاب الوحدة الاسلامية

مقدمة
إن الوحدة الإسلامية هدف سامٍ ونابع من القرآن الكريم الذي تمتد جذوره في أعماق طبيعة الفطرة الانسانية. إن التقريب بين المذاهب هو المناخ الأنسب الذي من الطبيعي والمنطقي أن تنمو وتتقوى فيه أواصر الوحدة بين أطراف العالم الإسلامي.
لذلك ففي كل عام يعقد المركز الإسلامي في انجلترا مؤتمراً للتقريب الذي هو أحد وظائف المركز وأهدافه، فإنه –أعني التقريب- مهمة ومسؤولية جميع علماء المسلمين بقدر ما يمتلكون من قدرات فيكافحوا من أجل تحقيق هذا الهدف القيم في مواقعهم المختلفة.
إن التقريب بين المذاهب من اجل تحقيق الوحدة الإسلامية –بكل معنى الكلمة- في نهاية المطاف هو من أهم العوامل الاساسية للوصول الى العزة والكرامة والنعيم المادي والسعادة الروحية، إذ لا يمكن تحقيق العزة والكرامة والازدهار الإسلامي في ظل التشرذم والتفرقة بين المسلمين.
كما نشهد باستمرار من ناحية أخرى أن أصحاب القوة والهيمنة والمتسلطين على ثروات العالم الإسلامي ولأجل الوصول الى أهدافهم الدنيئة والشيطانية، والحيلولة -بإختلاق العقبات- دون نمو المسلمين وتطور قدراتهم، يستهدفون وحدة المسلمين معتبرين التفرقة بينهم احدى أكثر الأدوات فعالية في هذا الإطار ولا يدخرون أي جهد لتكريس تفرقتهم. بكل أسى وحزن لابد من الإعتراف بأن عددا من المسلمين - بوعي أو من غير وعي - يخدمون أعداء الإسلام في هذا الاتجاه. نظرة سريعة على مجريات الاحداث في مختلف بقاع العالم الإسلامي من فلسطين، والعراق، وأفغانستان، ولبنان، وكشمير، و...الخ خير شاهد على صحة ذلك.
السؤال هو هل بإمكان المسلمين أن يكونوا أمة واحدة -كما وصفها القرآن في ضوء الايمان، والتقوى، وعبادة رب العالمين- بلحاظ ان المسلمين تجمعهم الكثير من المشتركات لأن الله ربهم واحد، وكتابهم القرآن واحد، وقبلتهم الكعبة واحدة بالإضافة الى ما يجمعهم من مشتركات في البرامج العبادية والشعائر الدينية؟ أولا يمكن للمسلمين تحقيق المجتمع المتحضر والمتطور للوصول الى العزة، والكرامة، والقدرة المهيبة وإحياء مجدهم العظيم؟
في هذه المقالة نتعرض الى الطرق التي ينبغي انتهاجها للوصول الى الوحدة الاسلامية من وجهة نظر القرآن الكريم:
1. أهمية الوحدة وضرورتها في القرآن: بلا شك أن أول من نادى بضرورة الوحدة والأمة الواحدة هو القرآن الكريم، إذ يقول:
"إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ." (الأنبياء / 91).
وفي آيةٍ أخرى: "وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ." (المؤمنون /52)، حيث يبتديء القرآن بهذا التعبير، ويطلب من المسلمين أن يراقبوا وحدتهم الشاملة ويراعوا ألا يصيبها اي خلل، ونظراً لأن القرآن الكريم اعتبر جميع المؤمنين أمة واحدة سالكة في اتجاه وهدف واحد وطالبهم بعبادة الله الواحد القهار، فعلى المسلمين أن يعوا أهمية هذا الشعار القرآني (الأمة الواحدة)، ويدركوا عظمته، ويقضوا على الانقسامات ويزيلوها، إذ أن أي عمل يؤدي الى التفرق والتشرذم هو عمل يصب في مصلحة خصومهم، ومخالف لنص دعوة القرآن الكريم.
نلاحظ أنه في هذه الدعوة لم تلحظ خصوصية مذهب معين، بل إقتصرت بجعل معيار الأمة الواحدة مُلَخَّصاً بالإيمان بالله الواحد القهار. ومن جهة أخرى جُعِـلَـت وحدة الأمة في طريق التوحيد، وقد فُــرِّع عليه الأمر بعبادة الله.
إن الوحدة ليست موعظة أو إقتراحاً، بل هي وظيفة شرعية، وهذا يعني انه بنفس الدرجة التي يجب فيها على المسلم أن يعبد الله على أساس التوحيد، يجب السعي في تحصيل الوحدة. تُطلَقُ الوحدة في ضوء هذه الآية بإعتبارها حقيقة واحدة ووظيفة موجهة الى جميع المسلمين، ومن كل حسب مقامه وكلما ارتفع مقامه العلمي والسياسي ودرجته الاقتصادية يتحمل المسؤولية بدرجة ذلك الارتفاع ويقع على عاتقه واجب أكبر.
2. ورد في القرآن الكريم: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ." (الحجرات/ 10). أكَّــدَ القرآن الكريم في هذه الآية بقوله "إنما" التي تفيد الحصر بأن المؤمنين اخوةٌ، ولا قيمة لأي شئ آخر بينهم سوى الأخوة، فيجب عليهم أن يتعاملوا مع بعضهم البعض بمنطق الأخُوة. إن المؤمنين قد يختلفون أحياناً نتيجة سوء الفهم أو لتضارب المصالح المادية أو نتيجة الإختلافات السياسية التي قد تصل إلى درجة العداء، ولكن القرآن الكريم، بما في ذلك الجملة الخبرية في الآية الكريمة يذكِّرهم بأنهم إخوة، ومن البديهي أن المقصود بالإخوة ليست العلقة النسبية والعرقية، بل الأخوة الدينية والإيمانية التي تجمعهم وتحكمهم. بناء على هذا فالآية المذكورة آنفاً تأمر المؤمنين أن تسودهم الأخوة والمحبة، وإذا اختلفوا يجب عليهم التقريب وتوثيق العُـرى فيما بينهم ليبتعدوا تماماً عن النزاع والفرقة، ولو حصل مثل ذلك فعلى فريق من المسلمين أن يهبوا لإصلاح ذات البين ويتقوا الله في ذات بينهم.
3. في معظم الحالات التي تحدث فيها القرآن الكريم عن الأخوة والوحدة، وذمِّ الإختلاف، نلاحظ أنه -علاوة على الأمر بالأخوة والتآخي، والدعوة الى التعاون والتعامل بالحسنى والتقوى- قد اعتبر الوحدة والتراحم بين المسلمين في عهد النبي (ص) هدية من بركات الإسلام أنعم الله تعالى عليهم بها، فعلى المسلمين أن يحافظوا على وحدتهم الايمانية والاجتماعية، وأن يبتعدوا عن الإختلافات المشرذِمة. لقد استخدم القرآن في آياته تعابير من قبيل: واعتصموا، اصلحوا، رابطوا، تعاونوا، من أجل التشويق والتعزيز للوحدة، وحتى العديد من الاوامر الاجتماعية والنواهي الأخلاقية من قبيل حرمة الغيبة، وسوء الظن، وإشاعة الفاحشة هي أوامر تستهدف الحيلولة دون التفرق، والابتعاد عن الإختلاف. فعلى سبيل المثال حينما يقول القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (الحجرات/12)، فقد جعل السباب والإستهزاء من العوامل المسببة للتفرقة بين المسلمين، وهكذا جُعِــل التنابز بالالقاب القبيحة والألفاظ البذيئة بين المسلمين محرماً: "وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ." (الحجرات/ 11).
لهذا السبب نحن نعتقد أن حل الإختلافات والمحافظة على وحدة المجتمع الإسلامي أمرٌ هامٌ جداً، وأي عمل يؤجج الأحقاد، ويثير النزاع، ويستثير مكامن الفُرقة هو عملٌ محرمٌ، يقول القرآن الكريم: "وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ." (الأنفال / 46)، فقد نهى عن التنازع والإختلاف، لأن الصراع والتنازع يؤدي بالمسلمين الى الانحطاط وذهاب ريحهم. وهكذا يقول القرآن: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا." (الإسراء / 103)
وغيرها من الآيات التي تشير إلى قصص الأمم الغابرة وتجاربها والتي تؤكد على ضرورة أخذ الدروس والعبرة منهم، وتنصح المسلمين ألا يتفرقوا مثلهم: "وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ." (الإسراء / 105)، وهكذا يقول القرآن الكريم:
"مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ." (الروم / 32).
يمكننا تحصيل أهمية الوحدة وضرورة نبذ الخلاف من مجموع ما يزيد على خمسين آية من آيات القرآن الكريم المختلفة الدالة على نبذ الخلافات ووسائل تعميق الوحدة وسبل الوقاية من الإختلاف.

العوامل المؤدية الى الوحدة:
1. التصرف المسالم مع أتباع المذاهب الأخرى: إن إحدى العوامل المؤدية الى الوحدة هي الاحترام المتبادل بين أتباع المذاهب المختلفة مع بعضهم البعض، لأن هذه الخلافات المذهبية مهما كانت كثيرة وعميقة، لكنها لا ينبغي أن تشعل أي عنف أو صراع أو نزاع مسلح بين المسلمين، لأن الخلافات العقائدية والمذهبية لا يمكن تصفيتها على الصعيد الفردي ولا نقلها على مستوى العلاقات الإنسانية وانتهاك الحقوق الاجتماعية لكونهما ميدانين منفصلين تماما عن بعضها البعض، ولأن الاختلاف المذهبي وحده لا يؤثر على قضايا الحقوق الاجتماعية للمسلمين. من المحزن بنظرنا إن المشكلة الأساسية في عدم التصرف المسالم هو عدم ملاحظة القضايا من زاوية فقهية-علمية بحتة، فإن الكثير من معارضي التعاطي السلمي، ينطلقون من زاوية الحكم الفقهي، والحال أن الأمر يرجع في جوهره الى قضية كلامية قبل أن يكون موضوعاً خلافياً فقهياً. وفي المرحلة الثانية هو موضوع أخلاقيٌ، ومن ثمَّ حقوقيٌ وفي نهاية المطاف هو مسألة تدرس في الاطار الفقهي. ولهذا السبب نلاحظ التأثير السلبي للكثير من الأفكار والمعتقدات الكلامية في الاجتهاد الفقهي، ونرى انعكاسات الأخطاء الفكرية على المستوى الفقهي.
فيما يتعلق بالذين يختلفون معنا مذهبياً يجب أن نسير على هدي القرآن وندرس الآراء المختلفة على ضوء تقويمه المعرفي. إن انتهاج العنف من قبل البعض كوسيلة للمواجهة مع الذين يختلفون معهم مذهبياً ينبع من عقدة أيديولوجية تتلخص في أن بعض الأشخاص يعتقدون دوماً بصوابية أفكارهم وبطلان آراء الآخرين كي يؤمنوا لنفسهم الحق في إلغاء الآخرين ويسمحوا لها بتدميرهم! ولكن إذا نظرنا الى القرآن نظرة متفحصة، نتمكن من إثبات أن اعتقادات الناس، واختلاف المشاعر، والآراء الفكرية تستند إلى معطيات بيئية وتعتمد على عوامل مختلفة، من قبيل محل الولادة والنشوء، وطبيعة عقائد الآباء والامهات، وتصوراتهم المختلفة، والظروف التاريخية، والاجتماعية، والجغرافية، والثقافية، حيث إن كل هذه العوامل تلعب دوراً مؤثراً في صياغة الاعتقاد البشري، حيث تخلق مجموع هذه الظروف واقعاً لا يمكن تجنبه، وتصنع للفرد عقيدة نابعة من البيئة الشخصية، فينشأ بعض الناس على مذهب معين وينشأ شخص آخر على مذهب آخر. بناء على هذا الفهم التحليلي لمختلف عقائد الناس يمكننا فهم التفاوت في درك الحقائق العلمية والمعارف الدينية، وعلى هذا يمكننا تفهم الخلافات المذهبية والاختلافات الدينية والعقائدية واعتبارها واقعا طبيعيا وحتمياً.


2. التنزه عن طرح القضايا المثيرة للجدل والنزاع الديني العقيم:
أحد العوامل التي تساهم في توحيد المجتمع الإسلامي هو تجنب طرح القضايا العقيمة، فإن إشغال اذهان افراد المجتمع بقضايا لا تساهم في تعزيز الهوية الدينية فحسب، بل لا تعزز التكامل الروحي ولا في تعالي الأخلاق الإسلامية، يعمِّق الهوة بين أطياف الفرق المذهبية، ويأخذ المجتمع الى المزيد من التفرق والتشرذم. عادة ما تطرح عدد من القضايا الدينية السطحية التي تتخذ هيئة شعارات، وغالباً ما لا تنطوي على قيمة في التأثير على المستوى الروحي، ولا دخل لها بالعمق الديني، عادة ما تطرح هذه القضايا من قبل أولئك الهادفين إشغال أذهان الناس بقضايا لا تنطوي على فائدة للمجتمع لا على مستوى تعزيز ثقافة أهل البيت (ع) ولا على مستوى ازدهار بحوث السنة النبوية.
تجدر الاشارة الى أن هناك العديد من النقاط الهامة في هذا المجال:
أ. إن جوهر دعوة القرآن وروحها تحريم الحرب، والعداء، والشقاق، وتمزيق أوصال المجتمع المسلم. ولهذا فكل حركة معارضة لهذه الدعوة هي خلاف روح الأمر القرآني:
"وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ." (الأنفال / 46).
وقد نقل عن مولانا الإمام الصادق (ع): لا تخاصموا بدينكم فإن المخاصمة ممرضة للقلب. (البحار، المجلسي، ج2، ص 133)
ب. من وجهة نظر القرآن، لأن فهم الآيات والتدبر فيها يقود الى وجهات نظر مختلفة، نجد أن أمر القرآن يؤكد على نمط النقاش الايجابي والحوار البناء ويصر على أن الدعوة الى الله تتم بواسطة الفكر والجدل بالتي هي احسن:
"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ."(النحل /125)
يمكننا أن نستنتج أن الدعوة الى الدين والحوار مع أصحاب وجهات النظر المخالفة، تتجنب الخوض في المسائل التي تتعارض مع الجدل بالتي هي احسن، أعني القضايا التي تؤدي إلى تفاقم النزاع ومدعاة للفشل في الحصول على النتائج المرجوة، وذلك لأن الآية في مقام بيان طريقة التبليغ وكيفية دعوة الناس إلى الإيمان والصراط الإلهي. هناك طريقة واحدة فقط وهي طريقة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ومما لا شك فيه ان المناقشات العقيمة والجدل الذي يورث البغضاء والكراهية لا تتفق مع مفاد الآية الكريمة.

د. من نتائج الجدل بالتي هي احسن الترفع عن المنازعات والخصومات، وتجنب القضايا المثيرة للجدل، وتخفيف التوتر. ذلك لأنه عندما تسنح الفرصة للحوار ويمكن تبادل الكلام وتترك المساحة اللازمة للحوار البناء وتتهيأ البيئة الخصبة لتبادل الافكار واستماع كل واحد لحديث الطرف الآخر يبتعد الطرفان عن منطق التفوق والسيطرة على الآخر. إن الجدال بالتي هي احسن يتحقق بتآلف القلوب بينما الإختلاف يشتد عندما تحقد القلوب على بعضها البعض ولا تتآلف أبداً.

3. اجتناب تهييج المشاعر والابتعاد عن التجديف:
لا شك أن من احد عوامل الوحدة، بل من أهمها احترام المقدسات الدينية والرموز المذهبية للطرف المقابل عند ذكرهم او التعرض لأسمائهم. إن المبدأ العقلائي الذي نقبله جميعاً هو أن ما لا تقبله لنفسك، لا ينبغي أن ترتضيه للآخرين. وإذا كنا لا نرضى من أحدٍ أن يتعرض بسوء لشيوخنا وعلمائنا وعظمائنا، فإن الطرف المقابل يتوقع تماما أن لا تصدر مثل هذه الوقاحة منا أيضاً. يؤكد القرآن الكريم على هذا المبدأ حتى حينما يتحدث عن أولئك المشركين الذين يعبدون الأصنام من غير الله الواحد القهار:
"وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ."(الأنعام / 108)
إن هذا هو المبدأ القرآني الذي يؤكده القرآن الكريم:
"كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ." (الأنعام / 108)
نحن نعتقد أنه إذ أوحى الله تعالى بقرآنه وعلمنا هذه الحكمة عند الحوار مع غير المسلمين، فإن هذا المبدأ أولى بالاحترام فيما بين المسلمين، فينبغي لنا أن نحترم الشخصيات المعظمة عند المسلمين والرموز التاريخية عندهم أيضاً ونبتعد عن تأجيج مشاعر الكراهية والحقد والبغضاء بيننا.
الشاهد على هذا المعنى، هو الرواية المنقولة عن الإمام الرضا (ع) والتي يرويها إبراهيم بن أبي محمود الخراساني وهو يقول للإمام (ع): أنني أرى رواياتٍ في فضل اهل البيت (ع) وفي خصومهم أيضاً ولكني لا أراها عندنا؟ وحينئذٍ يوضح الإمام (ع) أهداف الوضاعين والمفترين وطبقاتهم، وعن السب واللعن يقول: "وثالثها التصريح بمثالب اعدائنا، فإذا سمع الناس الغلو فينا كفروا شيعتنا ونسبوهم الى القول بربوبيتنا... واذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا وإذا سمعوا مثالب اعدائنا باسمائهم ثلبونا بأسمائنا وقد قال الله عز وجل: "وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ." (الصدوق ، عيون أخبار الرضا ، ج 1 ، ص 304).
يستفاد من هذه الروايات بكل وضوح، انه في عصر حياتهم وُضِعَت روايات وهمية تنسب اليهم من أجل تسميم الجو الديني بين المسلمين، حيث توضع هذه الموضوعات الروائية والغرض منها تعميق الفوضى وإثارة النزاع لتزداد الكراهية والمعارضة وتتعمق مشاعر العداء ضد اهل بيت النبي (ع). الإمام (ع) يُدين هذه الخطوات الشيطانية ويستشهد بالآية القرآنية الكريمة. مع هذا يستمر القرآن الكريم في تبيين كيفية التعامل حتى مع اصحاب السلوك الشائن والقبيح والذين يستدرجون الآخرين ويستحثون الامور لتتجه نحو الصراع والنزاع، ليقول:
"وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ." (فصلت/34)
إن الجو الثقافي في المجتمع الإسلامي يجب ان لا تسوده روح المواجهة العدائية، ولا ينبغي أن تحصل فيه إهانات، فإن الله تبارك وتعالى -بمقتضى الآية الشريفة- لا يريد من المسلم ترويض الآخر فحسب، بل هو يعلمنا كيف نتمكن منه، وذلك بأن نرفع الحقد والكراهية من قلبه ونجعله يتبرأ من الشر والعداوة بأن نتعامل بالحسنى ونقابل الشر بالإحسان. يعطينا القرآن ميثاقاً أخلاقياً قويماً في قوله تعالى:
"وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا."(إسراء / 53).
والسلام عليکم ورحمة الله و برکاته