البحوث و المقالات 

 الصور 

 الاخبار 

بيان استنكار وإدانة لقرار اسقاط الجنسية البحرينية عن سماحة الشيخ عيسى قاسم من المركز الاسلامي

البيان الختامي للمؤتمر التاسع لمنتدى الوحدة الاسلامية: نحو وعي مجتمعي لمستلزمات النهضة الحضارية

مولوي عبد الحميد : المشتركات بين السنة و الشيعة كثيرة، و الاختلاف ضئيل وهامشي

في احتفالية الذكرى السنوية 37 لانتصار الثورة الاسلامية في ايران الشيخ الشمالي: انتصار الثورة الاسلامية في عام 1979م كان انجازاً لجميع المتدينين في العالم

جانب من وقائع المؤتمر الصحفي لسماحة الشيخ الدكتور الشمالي (رئيس المركز الاسلامي في انجلترا)

كلمة سماحة آية الله الشيخ محسن الاراكي في المنتدى الاسلامي الدولي11، ألقاها بالنيابة الدكتور علي رمضان الأوسي

مؤتمر صحفي تحت عنوان: (نداء السلم و المحبة في مواجهة التطرف والعنف في كل مكان) في المركز الاسلامي في انجلترا

دعوة عامة لکتابة البحوث و المقالات حول الأزمات الراهنة في العالم الإسلامي لتقديمها في المؤتمر الدولي (29) للوحدة الاسلامية في طهران

شيخ الازهر يدعو آية الله مكارم شيرازي للمشاركة في "ملتقى تحريم اصدار فتاوی قتل المسلمين"

البيان الختامي لاجتماع مجمع أهل البيت (ع)

التقريب مشروع عملي لبناء وتوحيد الأمة/الشيخ الدكتور خالد عبد الوهاب الملا

بحث ألقي في المؤتمر الدولي السادس للتقريب بين المذاهب الاسلامية في لندن 2012 في المركز الاسلامي في انجلترا تحت شعار:
(لبيك يا رسول الله)

المؤتمر الدولي السادس
The Sixth International Conference on:
للتقريب بين المذاهب الإسلامية في لندن
Proximity amongst of Islamic Schools of Though
(الدور الحضاري للتقريب في تحقيق السلم الاجتماعي)
Discourse on:
The Civilizing Role of Proximity in Achieving Social Peace

التقريب
مشروع عملي لبناء وتوحيد الأمة


الشيخ الدكتور خالد عبد الوهاب الملا
(رئيس جماعة علماء العراق، ومستشار رئاسة جمهورية العراق)


(29/9/2012م - الموافق 12 ذي القعدة 1433هـ)





بسم الله الرّحمن الرّحيم

التّقريب مشروعٌ عمليٌّ لبناء وتوحيد الأمَّة

المقدِّمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.
إنّ مشروع التّقريب بين اتباع المذاهب الإسلاميّة هو أمرٌ ربّانيٌّ منذ ليلة القَدْرِ التي أُنزلت فيها أوَّل آيةٍ من القرآن الكريم وهي إقْرَأ، العلق: 1، موجَّهةً إلى كلِّ من سيُسلِم من لحظة نزولها إلى يوم القيامة باعتبارِهم أُمَّةً واحدة، ثمّ تتالت الآيات الدّالة على وَحدة المسلمين جميعاً حتى ابتدأت بقوله إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكُمْ فَاعْبُدونِ، الأنبياء:92، وانتهت بقول الله عزَّ وجلّ: اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ، وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي، ورَضيتُ لَكُمُ الإسْلامَ ديناً، المائدة: 3، لكم جميعاً، وليس لفئةٍ منكم فقط، مهما بَعُدَتْ بينكم المسافات الزَّمنيَّة والمكانيَّة والفكريَّة.
ومن هذه الآيات: وما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للعالَمين، الأنبياء: 107، واعْتَصِموا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقوا، آل عِمران: 103، إنَّما المُؤْمِنونَ إخْوَةٌ، فَأصْلِحوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ، واتَّقوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمونَ الحُجُرات: 10. وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: (مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إذا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ تَداعى لهُ سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمّى)، رواه مُسلم.
وقد حدَّد الله عزَّ وجلَّ مَهمَّة الجِنِّ والإنْسِ في هذا الكون بقوله عزَّ مِن قائِل: وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدونِ، الذّاريات: 56. فإذا عبد النّاس اللهَ حقَّ العبادة، كانوا عاملين بحقٍّ على تحقيق السِّلم الاجتماعي بين البشر كافَّةً رغم تعدُّد وتنوُّع العقائد والأفكار والأفهام والأذواق.
وبما أنَّ الدنيا دارُ ابتلاء، فلن يعبُدَ النّاس جميعاً اللهَ عزَّ وجلّ، ولن يعبُدَه كثيرٌ من العابدين حقَّ العبادة، وبالتّالي فسيحدث بينهم اختلافٌ لاختلافِ الأهداف، ممّا سيؤَدّي شيئاً فشيئاً إلى تحوُّل الخلاف إلى توتُّرٍ فصِراع، ويساعد في ذلك وَسْوَسَةُ الوَسْواسِ الخَنّاسِ * الذي يُوَسْوِسُ في صُدورِ النّاسِ * مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ، النّاس: 4 – 6.
وقد وصف الله عزَّ وجلَّ قضاءه هذا في النّاس بقوله: ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً، ولا يَزالونَ مُخْتَلِفينَ * إلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعينَ، هود: 118 – 119. وقد وضع اللهُ عزَّ وجَلَّ امتحاناتٍ عديدةً للنّاس في هذه الدُّنيا ليمتحن إيمانهم لإشهادهم على أنفسهم بالنَّجاح أو الفشل، وقد وصف هذا الأمر بقوله: أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكوا أنْ يَقولوا آمَنّا وهُمْ لا يُفْتَنونَ، العنكبوت: 2، وقال أيضاً: ليُمَحٍّصَ اللهُ الذينَ آمَنوا ويَمْحَقَ الكافِرينَ، آلُ عِمران: 141، وقال أيضاً: والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ البقرة: 191.
ولهذا فإنَّ على العابدين لله، السّاعين لتكون عبادتهم له حقَّ العبادة، ومنهم العلماء، أن يعلَموا أنَّ الخلافات بين البشر لن تنتهي، وأنَّ من واجبهم العمل على الحدِّ من هذه الخلافات، لا تَذكيتها، خاصَّةً في الأزمات التي توصل إلى الفتن ومن ثَمَّ سفك الدّماء.
ومن هنا جاء هذا البحث ليلقي الضوء على بعض زوايا العمل للتقريب بين البشر عامَّةً والمسلمين خاصَّة، وقد قسمته الى مقدمة ومبحثين وثمانية مطالب وخاتمة عسى اللهُ أن يجعل فيه خيراً للأمَّة، إنه سميعٌ مُجيب.


المبحث الأول : انعكاس الحضارة في صناعة المستقبل:
المطلب الأول : التعاريف
1. تعريف الحضارة: قال "ابن خلدون": إنّ الحضارة "هي التَّفنُّن والتَّرف وإحكام الصَّنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه، من المطابخ والملابس والمباني والفرش … وسائر عوائد المنزل وأحواله". وأضاف: "إنّ الحضارة هي نمطٌ من الحياة المستقرّة يُنشىء القرى والأمصار, ويضفي على حياة أصحابه فنوناً منتظمة من العيش والعمل والاجتماع والعلم والصّناعة, وإدارة شؤون الحياة والحكم, وترتيب وسائل الرّاحة وأسباب الرّفاهيَة".
وفي كلام "ابن خلدونَ" هذا ربطٌ بين الحضارة والاستقرار، لأنَّه بدون استقرارٍ لا نموَّ ولا ازدهار.
و يستكمل "ابن خلدونَ" حديثه عن الحضارة قائلاً: "إنّ المُلك والدَّولة غايةٌ للعصبيَّة, وإنَّ الحضارة غايةٌ للبداوة, وإنَّ العمران كلَّه، من بداوةٍ وحضارةٍ ومُلكٍ وسوقَة، له عمرٌ محسوسٌ كما أنَّ للشَّخص الواحد من أشخاص المكوِّنات عمراً محسوساً". وهذا ما يُسمّى "تعاقُبَ الحضارات", النَّظريَّة التي سبق "ابن خلدونَ" فيها فلاسفة أوروبا ومفكِّريها.
ويعرِّف "وِلْ دْيورانْتْ" صاحب "موسوعة قصَّة الحضارة" الحضارة قائلاً: "الحضارةُ نظامٌ اجتماعيٌّ يُعينُ الإنسان على الزِّيادة من إنتاجه الثَّقافيّ، وإنَّما تتألَّف الحضارة من عناصرَ أربعة: الموارد الاقتصاديَّة، والنُّظم السِّياسيَّة، والتَّقاليد الخُلُقِيَّة، ومتابعة العلوم".
2. تعريف الأمَّة المسلِمة
قال الله عزَّ وجلّ: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وأنا رَبُّكُمْ فَاعْبُدونِ، الأنبياء:92، وما أَرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للعالَمينَ، الأنبياء: 107. وانطلاقاً من هاتَين الآيَتين، فإنَّ على المسلمين أن يعوا أنَّهم أبناءُ أُمَّةٍ واحدةٍ تَوَحَّدَ أفرادها على الإسلام، الذي هو خاتَمُ الرِّسالات السَّماويَّة، مع تنوُّعِهِمُ الفقهيِّ والسُّلوكيّ، ليَحملوا رسالة الإسلام ويكونوا رُسُلَ رحمةِ اللهِ للعالَمين على خُطى نبيِّهم صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فالأمة المسلمة هي مجموعة الأقوال التي تنتمي إلى رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد آمنت بهذه الرسالة وعملت بشريعتها .
3. تعريف التّقريب
إنَّ التَّقريب بين المذاهب ليس هو المطلوب من بحثنا، لأن المذاهب الإسلامية هي مجموعة اجتهادات من علماء المسلمين بنيت بسبب اختلاف العلماء في طرق الإستنباط والتعامل مع النصوص من الكتاب والسنة اضافة الى العوامل السياسية التي كانت حاضرة من اللحظة الأولى بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) ولهذا فالمطلوب من التقريب هو التَّقريب بين أهل واتباع هذه المذاهب، لأنَّهم هم المختلِفون بين بعضِهم البعض نتيجةَ تعصُّبِ او التزامات فكرية او مذهبية او سياسية يتبناها كلِّ طرفٍ لرأي مذهبِه دون سعيٍ لفهم رأي الطَّرف الآخَر، مع عدم فهمِ كثيرينَ لمضمون مذهبِهم إلاّ بالعناوين.
والخلاف الفقهيُّ أمرٌ طبيعيٌ وشيءٌ لا بُدَّ منه، وقد وقع بين الأنبياء عليهم السَّلام أنفسهم, فقد ذكَر القرآن الكريم اختلافَ نبيّا اللهِ "داودَ" و"سليمانَ" عليهما السَّلام في الحكم في الحَرْث، كما حكم الرَّسول صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بأنَّ: (مَنِ اجْتَهَدَ وأصابَ فَلَهُ أجْران، ومَنِ اجْتَهَدَ وأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ)، رواه مُسلم، وأوضح "الشّافعيُّ" أسلوب التَّفاهم بين الأئِمَّةِ بقوله: "ما جادلتُ أحداً إلاّ تمنَّيتُ أن يكون الحقُّ إلى جانبه". فإذا كانت هذه هي بعض قواعد الإسلام في تَقَبُّلِ الرَّأي الآخَر، فما الذي جعل الاختلاف في هذه الأيّام مُؤَدِّياً للدَّم، وادعو الباحثين الى قراءة الكتب التي الفت ودرست اسباب اختلاف الفقهاء وفي مقدمتهم ابن حزم الظاهري لأنه يعتبر من اوائل ماكتب في هذا الباب بعد عصر ظهور الأئمة اصحاب المذاهب المتبوعة وكذلك حجة الله البالغة الإمام الدهلوي في كتابه الإنصاف في بيان اسباب الإختلاف واختلاف الفقهاء لإبي جعفر الطحاوي فلا بد للباحث ايضا ان يطلع على ماكتبه العلامة مصطفى ابراهيم الزلمي في رسالته اسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية وغيرهم كثير ممكن كتبوا في اسباب اختلاف الفقهاء
وحقيقة التَّقريب هي الاتِّفاق على العمل في المشترَكات فيما بين المذاهب الإسلاميَّة والسَّعي إلى توسعة دائرة هذه المشترَكات، ضمن قاعدة: "نتعاون فيما اتَّفقنا عليه، ويَعْذُرُ بعضُنا بعضاً فيما اختلَفنا فيه".
ويخطىء مَن يدَّعي بأنَّ التَّقريبَ هو تغليبُ مذهبٍ على آخَر، أو تلفيقٌ من مذهبَيْنِ أو أكثر، أو تذويبُ مذهبٍ في مذهبٍ آخَرَ وتقديم مذهبٍ جديدٍ مُدمَج، فالتَّقريب لم يكن، ولن يكون، تغليباً ولا تذويباً ولا تلفيقاً ولا دمجاً بل اتِّفاقاً على المشترَكات المقبولة لدى الطّرفين، وهدفه الأساس هو التَّقارب والتَّآلف والتَّعاون لخير المسلمين والعالم، لا التَّباعُدَ والتَّناحُرَ والتَّدابُر.
المطلب الثاني: السِّلم الاجتماعيّ
قال الله سبحانه وتعالى: إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وأنا رَبُّكُمْ فَاْعُبدونِ الأنبياء: 92. والسِّلم الاجتماعيُّ هو هدف كلِّ مجتمع، حيث يعيش المواطنون في ظلِّه بأمانٍ واستقرارٍ كأُمَّةٍ واحدة، وهذا هو الهدف الذي شرعه الله الرَّحيم الرَّؤوف لعباده. فالإسلام الذي أمَرهم به مشتقٌّ اسمه من "السَّلام" الذي هو أحد أسمائه الحسنى، و"السَّلام" هو "السِّلم"، الذي يمكن أن يعيش النّاس في ظلِّه بأمانٍ في مكانٍ واحدٍ يكون بيتاً لهم جميعاً، مع اختلاف عقائدهم وأساليب حياتهم ومشارِبهم وألوانهم، دون أيّ خلافٍ بينهم، ضمن قواعدَ تضبط الحفاظ على سِلْمِهِمُ الاجتماعيّ. وبالحدِّ الأدنى هو بيتٌ بمنازلَ كثيرة، أي بناءٌ يضمُّ بيوتا عِدَّة، يعيش أصحابها إخواناً أو أصدقاء، مع اختلاف أساليب عَيش كلٍّ منهم داخل بيته عن أساليب عَيش الآخَرين داخل بيوتهم.
والمجتمع الإسلاميُّ هو هذا البيت، فأوَّلُ ما بدَأَ به رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بعد هجرته إلى "المدينة المنوّرة"، هو بناء الدَّولة الإسلاميَّة، وأَوَّلُ خطوات هذا البناء كانت المُؤاخاة بين المهاجرين والأنصار [الأُمَّةُ الواحدة]، وأَتْبَعَها بالصَّحيفَةِ [الدّستور] او الوثيقة التي نَظَّمَتْ علاقة المسلمين ببعضِهِمُ البعض وباليهود طِبْقاً لشرع الله، ثمّ بَنى السّوقَ وأسَّسَ الجيشَ وجَهَّزَه كي يدافع عن حصن الأمة وعقيدتها .
أي أنه بدأ بالعلاقات الشخصيّة بين المسلمين، ثمَّ بالعلاقات مع غير المسلمين، ثمَّ بمقوِّمات حياة هذا المجتمع [السّوق]، ثمَّ بمقوِّمات حماية هذا المجتمع [الجيش]، وهذه هي أساسيّات مقوِّمات السِّلم الاجتماعيّ.
وقد ضمَّ المجتمع الإسلاميَّ عبر التّاريخ، أقواماً وألواناً وطبائع، لا يجمعُ بينها جامعٌ إلاّ الإيمانُ بالله الذي أَلْغى الأقوامَ والألوانَ والطَّبقات وجَمَعَ الجميع، مع التَّكافُؤِ فيما بينَهم، تحت مُسمّى "المسلمين".
وقد وصف رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم هذا الأمر بقوله في وسط ‏ ‏أيّام التَّشريق: (يا أيُّها النّاس، ألا‏ ‏إنَّ رَبَّكُمْ واحِد، وإنَّ أباكُمْ واحِد، ألا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على أَعْجَمِيٍّ، ولا‏ ‏لِعَجَمِيٍّ على عَرَبِيٍّ، ولا لأَحْمَرَ على أَسْوَدَ، ولا لأَسْوَدَ على أَحْمَرَ، إلاّ بالتَّقْوى)، وأضاف: (فإنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ، دِماءَكُمْ وأَمْوالَكُمْ وأَعْراضَكُمْ، ‏كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذا، في شَهْرِكُمْ هَذا، في بَلَدِكُمْ هَذا)، رواه أحمد.
فقد دخل "العرب" الإسلام بعد أن كانت فيهم عاداتٌ وأعرافٌ وتقاليد، وصالِحٌ وطالِح، وعالِمٌ وجاهِل، وطَيِّبٌ وخَبيث. و"الفرس" كانوا أُمَّةً ذات مُلكٍ طويلٍ وعريق، وتمييزٍ بين الطّبقة الحاكمة وعامَّة الشَّعب. و"الأتراك" كانوا جُفاةً غِلاظاً قُساة. و"الهنود" كانوا يقسِمون الشَّعب إلى طبقاتٍ يَسْتَعْبِدُ بعضُها بعضاً. وقد أظْهَرَ الذين دخلَ الإسلامُ حقّاً في قلوبهم [المؤمنون] للدّنيا عَظَمَةَ الإسلام ووَحْدَتَهُمْ فيه، وكان مَنْ لم يدخلِ الإسلامُ، إلاّ ظاهراً أو نِفاقاً، في قلوبهم [المنافقون]، سببَ المشاكل الداخليَّة عبر الزَّمن، لمصالحهم الذّاتيَّة أو القوميَّة أو العنصريَّة أو الدينيَّة أو المذهبيَّة المبطَّنة.
والوَحْدَة الإسلاميّة، بين كلِّ هذه الأعراق والألوان والطّبقات، لا زالت صامدةً منذ بدء الرّسالة الإسلاميّة حتى اليوم، رغم جميع الاهتزازات الدّاخليّة والخارجيّة، واجتياح الصّليبيّين والتّتار لمناطق شاسعةٍ من العالَم الإسلاميّ. وما حصل في التّاريخ من سوءٍ، حصل في مراحلَ محدودةٍ منه وفي أماكنَ معلومة، فيما كان هناك عَيْشٌ واحدٌ مشترَكٌ بين سكّان المجتمع الإسلاميّ في كلِّ الأمكنة في معظم مراحل التّاريخ الإسلاميّ.
كما عاش المسلمون عبر التّاريخ، منذ بدء الإسلام وانتهاءً بسقوط "الخلافة العثمانيّة"، في دولٍ ضمّت في أرجائها أتباعَ أديانٍ وثنيَّةٍ ورسالاتٍ سماويَّةٍ ومذاهبَ مختلفةٍ داخل كلِّ دينٍ ورسالة، وتَوَزَّعَ هؤلاء على أممٍ وشعوبٍ وأعراقٍ لا تحصى، انتشرت في معظم العالَم الإسلامي آنذاك، وعاش الجميع إخوة، أو بسِلْمٍ اجتماعيّ، معظم مراحل التّاريخ، مع بعض الاضطرابات في فتراتٍ محدودةٍ لا تُقارن بفتراتِ الحياة الطبيعيَّة بين كلِّ هذه العقائد والأعراق. والسِّلم الاجتماعيُّ الذي أمَرَ به الإسلام يقوم على مبدإ الأخوَّة في الله بين المسلمين، مع التّسامح فيما بينهم، فقد قال الله سبحانه وتعالى: إنَّما المُؤْمِنونَ إِخْوَةٌ، الحُجُرات: 10، وقال أيضاً: واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ، الحِجْر: 88. كما يقوم على مبدإ التّعامل الإنسانيّ والتّسامح مع غير المسلمين، فقد قال الله سبحانه وتعالى: وجَعَلْناكُمْ شُعوباً وقَبائِلَ، لتَعارَفوا، الحُجُرات: 13، وقال أيضاً: لا يَنْهاكُمُ اللهُ، عَنِ الّذينَ لَمْ يُقاتِلوكُمْ في الدّينِ، ولَمْ يُخْرِجوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، أنْ تَبَرّوهُمْ وتُقْسِطوا إلَيْهِمْ، إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ، المُمْتَحَنَة: 8.
ومن الأمثلة على السِّلم الاجتماعيِّ مع غير المسلمين:
1 – دعا رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لقريشٍ بعدما ضَرَبَتْهُ وأَدْمَتْهُ وهو يمسح الدّم عن وجهه: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمي، فَإنَّهُمْ لا يَعْلَمونَ)، رواه البخاريُّ.
2 – قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لقريشٍ وهو في عِزِّ قُوَّتِهِ بعد انتصاره عليها يوم فتح "مكّة المكرّمة": (اذْهَبوا، فَأنْتُمُ الطُّلَقاء)، رواه ابن إسحاق.
3 - وجد المسلمون خلال الفتوحات الإسلاميّة شعوباً تَدين بدياناتٍ وثنيَّةٍ لم يَعرِفوها سابقاً، فتركوها كما هي ولم يتعرّضوا لأتباعِها بسوء، إلاّ أنّهم لم يأكلوا ذبائحهم ولم يتزاوجوا معهم، لأنّهم لم يكونوا أصحابَ رسالاتٍ سماويَّةٍ سابقةٍ كاليهود والنّصارى [أهل الكتاب]. ومن هذه الدِّيانات: الصّابئيّة، والمجوسيّة، والهندوسيّة، والبوذيّة، وديانات القبائل الأفريقيّة.
4 – كان لرسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم في "مكّة المكرّمة" جارٌ يهوديٌّ يؤذيه برمي القاذورات أمام باب منزله يوميّاً، وعندما علم يوماً بأنّه مريض ذهب لزيارته.
5 - تُوُفِّيَ الرّسول صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ودِرْعُهُ مَرْهونَةٌ بطعامٍ عند يهوديّ، رواه البخاريّ.
6 – عاش المسلمون في "صقلّية"، بأمنٍ وأمان، تحت حُكم الملك "روجَر الثّاني"، وكانوا أَقَلِيَّةً هناك.
7 - حين فتح "محمَّدٌ الفاتِحُ" القُسطَنطينِيَّة "إسطنبول"، مَقَرَّ البطرِيَرْكِيَّةِ الأُرثوذُكْسِيَّةِ في الشَّرق كلِّه وقتها، أعطى الأمان يومَئِذٍ لسُكّانِها، وكلُّهُم نَصارى، على أموالِهِم وأرواحِهِم وعقائِدِهم.
وكان من مظاهر التّسامح الدّينيّ، الذي هو أحد أركان السِّلم الاجتماعيّ، أنَّ الوظائف كانت تُعطى للمُسْتَحِقِّ الكُفْء، كائِناً ما كان دينه أو مذهبه، ومن الأمثلة على ذلك أنّ "إبراهيمَ بن هلال"، الصّابِئِيّ، بلغ أرْفَعَ مناصِبِ الدَّولة، وكانت بينه وبين زعماء الأدب والعلم، من المسلمين، صِلاتٌ حسنة، حتّى أنَّه لمّا مات رثاه "الشَّريفُ الرَّضِيُّ" بقصائد خالدة.
وقد حضَّ اللهُ عزَّ وجلَّ على السِّلم الاجتماعيِّ بقوله عزَّ مِن قائِل: ﴿يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا ادْخُلوا في السِّلْمِ كافَّةً، ولا تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فَاعْلَموا أنَّ اللهَ عَزيزٌ حَكيمٌ﴾، (البقرة 208 - 209). فالآية تتحدَّث عن السِّلم الذي على جميع المسلمين الالتزام به بدءاً من التَّحيَّة الإسلاميَّة التي هي "السَّلام عليكم" التي تحمل كلَّ معاني السَّلام والأمان تجاه الآخَر، وإلى آخر مايمليه الإسلام من التزامات تجاه الآخر مهما كان نوع هذا الآخر وشكله ووصفه مادام هو في دائرة الإسلام وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (أفَلا أدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إذا فَعَلْتُموهُ تَحابَبْتُم؟ أفْشوا السَّلام بَيْنَكُمْ)، رواه مُسلم. كما أشار عليه الصّلاة والسّلام إلى أهميّة نشر السِّلم الاجتماعيّ، بين المسلمين بدءاً وفي أنحاء العالم انتهاءً، بقوله: (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النّاسُ مِنْ لِسانِهِ ويَدِهِ)، رواه أحمد، وقوله: (المُسْلِمُ أخو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ ولا يَشْتِمُهُ)، رواه البخاريّ، و: (المُسْلِمُ أخو المُسْلِمِ، لا يَخونُهُ ولا يَكْذِبُهُ ولا يَخْذِلُه)، رواه التِّرْمِذِيّ. وعدَّ الإسلام في هذه الآية مَن لم يدخل في السِّلم من مُتَّبِعي خُطوات الشَّيطان المُستحقّين للعقاب ومن هنا لابد من الإشارة الى قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات 13).
المطلب الثالث: أهميّة التّقريب في الوصول إلى الوَحدة بين أبناء الأمّة الواحدة
إنّ اختلاف البشريّة في الخُلُقِ والفكر والبيئة العلميّة والمعيشيّة والإمكانات المتاحة هو أمْرٌ إيجابيٌّ مساعدٌ على تطوُّر ونموِّ الحضارات والثّقافات والإثراء المادِّيِّ والمعنويِّ للبشريّة، وإلى هذا تشير الآية القرآنيّة: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً، ولا يَزالونَ مُخْتَلِفينَ، هود: 118. ولهذا فإنّ أحكام الإسلام، التي هي قواعدُ عامَّةٌ ثابتةٌ لا تَقْبَلُ التّعديل، قد انْبَنَتْ تفاصيلها، التي تَقْبَلُ التَّعديل طَبْقاً لمتطلَّبات الزَّمان والمكان، على اجتهادات العلماء عبر الزَّمَن، تلك الاجتهادات النّاتجة عن الفكر البشريِّ المستند إلى الكتاب والسُّنَّة. وبناءً على هذه الاجتهادات ظهرت المذاهب الفقهيّة التي كان علماؤها يحترمون آراء بعضِهِم البعض ويعيشون حالة وفاقٍ تامٍّ بينهم، ولم يدَّع أحدٌ من أئِمَّة المذاهب أنّ رأيه هو الحقُّ المطلق بل كانوا كما قال "الشّافعيّ": "رأيُنا صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأٌ يحتمل الصّواب". ولولا بعض العلماء القصيري النَّظر المتعصِّبين لمذاهبهم، الذين مرّوا عبر الزَّمن، والذين حرَّضوا تلاميذَهم والعامَّةَ على الخلاف في بعض فترات التّاريخ المحدودة لما تمكَّن الأعداء اليوم من استثارة الخلافات القديمة وبثِّها بين العامَّة.
ويقوم السِّلم الاجتماعيُّ أساساً على مبدإ تسامح أفراد المجتمع معَ الهفواتِ والهِنات من الآخَرين بحقِّهم والتَّجاوز عنها. ومع أنَّ التّسامح مطلوبٌ إسلاميّاً، إلاّ أنّه لا يجب أن يكون شاملاً كلَّ الأمور، فهناك حدودٌ للهِ عزَّ وجلَّ لا يمكن تجاوُزُها بشكلٍ من الأشكال، فلا تَسامُحَ مع القاتل والسّارق والزّاني وفي الحقوق الشخصيّة للآخَرين ما لم يُسامِحوا هم بها. كما لا يمكن التّسامح في الأخطاء التي تؤدّي إلى انهيار المجتمع من الدّاخل، ولا مع أيِّ احتلالٍ أجنبيٍّ أو اغتصابٍ لأرض، وبالأخصِّ عدم التّسامح والقَبول بأيِّ حلٍّ سياسيٍّ يقوم على الاعتراف بوجود "إسرائيل"، ولا يقولُ بإزالتها من الوجود، وإعادة الحقِّ إلى أصحابه.
ويبدأ التّسامح بين البشر من تَسامُحِ المرء مع نفسِه، وعندما يشعر المتسامِح بالطُّمَأْنينَة، فإنّه سينقل هذا الشّعور إلى الآخَرين، وهذا سيجعل المجتمع مطمئنّاً، وأفرادَه أكثرَ قدرةً على التّفكير الهادىء، وبالتّالي الأكثرَ عِلماً ومعرفةً وإنتاجاً.
وفئتا الإسلام تَرَيان أنَّ الله ربَّ العالَمين يرزقُ الكافرَ كما يرزقُ المؤمن، ولا يقصِمُه بل يَمُدُّ له في الدّنيا، ولا يُنهي وجودَه فيها إلاّ بأجَلٍ حدَّده له، فهل فكَّرَتا في أنَّ هذه المشيئةَ الإلهيّةَ هي أمْرٌ بالتّعايش بين البشر عموماً في سِلْمٍ اجتماعيّ، وبالعمل المشترك مع المخالِفين في الدّين والرّأي لصالح البشريّة؟ وإذا لم تكونا قد فكَّرَتا في هذا، أفلم تقرآ آية ربِّ العالَمين: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، الكهف: 29؟
ويعتمد السِّلم الاجتماعيُّ على أمورٍ عدَّة، ومن أهمِّها الأمن الحِسِّيُّ والأمن الفكريّ، فإذا لم يكن هناك أمنٌ حِسِّيٌّ فسيرفض النّاس السِّلم والوئام وسَيَسْتَمْرِؤونَ القتل والاحتراب، وإذا لم يكن هناك أمنٌ فكريٌّ فلن يستطيع المجتمع التّخطيط للحياة والسَّعي للنموِّ والتَّطوُّر والتَّقدُّم والازدهار، فالتَّطرُّف الفكريِّ هو أحد أهمِّ مُهدِّدات الأمن العامِّ والسِّلم الاجتماعيّ، لأنَّه مشكلةٌ أمنيَّةٌ في حدِّ ذاته، ولا بُدَّ من معرفة الدّوافع الحقيقيّة المسبِّبة له حتى يمكِن مواجهته.
ويقوم الأمن الفكريُّ على قيم "الوسطيّة" التي هي سَعَةٌ تحتمل التّناقض والخلاف، ولهذا هي وسطيَّةٌ بين أسلوبَيْن أو أكثرَ من المناهج الفكريّة، وأساسُها تَقَبُّلُ فكر الآخَرين مع الاختلاف في الاتِّفاق على مضمونه.
وتُعتبر مسألة الغزو الثَّقافيِّ والإعلاميِّ من أهمِّ المسائل التي واجهَت وتواجِه السِّلم الاجتماعيَّ للأمَّة الإسلاميَّة، فقد قام غُزاة الأمن الفكريِّ باستخدام الدّعاية المُغرِضة للتّلاعب بمعارف المُتَلَقّينَ وأفكارِهم، وتوجيه سلوكِهم، ليس بهدف تدمير معتقداتِهم ومقوِّماتِهم الذّاتيَّة وإشعارِهم بالدّونيَّة والانهزام فقط، بل لإعادة بناء معتقداتِهم وأفكارِهم بطريقةٍ معاكِسةٍ تصبُّ في مصلحة القائمين بالغزو.
وبما أنَّ القيود الأمنيَّة الإعلاميَّة والثَّقافيَّة أوشَكَت على التّلاشي في ظلِّ زمن العولمة الكونيَّة، فيجب استخدامُ المؤسَّسات المجتمعيّة لتحصين الشَّباب من الغزو الفكريِّ بتقوية أمنِهِمُ الفكريِّ عبر تزويدِهم بالمعلومات الصّحيحة والسّليمة التي تزرع في نفوسِهم الوعي الثَّقافيَّ والأمنيّ. وأهمُّ هذه المؤسَّسات المجتمعيَّة هي الأسرة، والمسجد، ومراكز التّعليم التّربويّة، ووسائل الإعلام المختلفة.
وليس المقصود بهذا غلقُ النّوافذ على الثّقافة العالميّة، واتِّهامُها بغزو العقول ونخرِها، بل أخْذُ ما يتوافقُ وعقائدَ ومبادىءَ وقِيَمَ الإسلام منها، والسَّعيُ لنشر ثقافة الإسلام في العالم ليستفيد منها الآخَرون.
ومن أهمِّ قواعدِ تَقَبُّلِ الآخَرِ واستيعاب أفكارِه والتّعاون معه لِما فيه خيرُ العالم القواعدُ التّالية:
1 – قولُ "الإمام مالك": "كُلٌّ منّا يُؤخَذ منه ويُرَدُّ عليه، إلاّ صاحبُ هذا القبر"وهذا اشارة الى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
2 - قولُ "الإمام الشّافعيّ": "رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأٌ يحتمل الصّواب".
3 - "نتعاون فيما اتَّفقنا عليه، ويَعْذُرُ بعضُنا بعضاً فيما اختلَفنا فيه"وهذه قاعدة عظيمة من قواعد البناء للمجتمعات والأمم فلو نأخذ بها لساهمت هذه القاعدة على مئات من المشاكل التي تواجهنا يوميا.
وبما أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال: (الحِكْمَةُ ضالَّةُ المُؤْمِن، أنّى وَجَدَها الْتَقَطَها)، رواه ابن حِبّان، فيُمكنُ بالتّالي الاستشهاد بالقواعدِ التّالية أيضاً:
1 – قولُ "سُقراط": "لا تبدإ الحديث مع مَن تختلف معه فى الرَّأي بالأشياء التي تختلِفون فيها، بل ابدأ بالتّأكيد على الأشياء التي تتّفقون عليها، وحاول التّأكيد على أنّكما تسعيان من أجل غايةٍ واحدة، وما الفرق بينكما إلاّ فى الوسيلة لا الغاية".
2 - قولُ "فولتير": "إنّني لا أتّفق معك فيما تقول، ولكنّني على استعدادٍ لأن أُضحّي بحياتي دفاعاً عن حَقِّكَ في أن تقوله".
3 - اختلاف الرَّأي لا يُفسد للوُدِّ قضيَّة.
المطلب الرابع: ماهيّة الحضارة الإسلاميّة
انطلاقاً من أنّ الإسلام يشمل جميع نواحي الحياة، فقد تنوَّعت ماهيّة الحضارة الإسلاميّة، حيث شمِلَت الحريَّة الدّينيّة والمذهبيّة، والاجتهادات الفقهيّة، والسُّلوك الأخلاقيَّ الرّاقي الذي دعا عدداً من الشُّعوب إلى الدُّخول في الإسلام، ونظاماً سياسيّاً متعدِّد الوجوه أظْهَرَ عزَّة الإسلام ورحمته بالشُّعوب المسلمة والذِّمِّيَّة، وارتقى العلماء بالعلوم والفنون مسترشدين بالكتاب والسُّنَّة، فطوَّروا علوم الحضارات السّابقة واستنبطوا علوماً جديدة في مختلف مجالات الحياة، كالاقتصاد والزّراعة والصّناعة والكيمياء والرّياضيّات والفيزياء والفَلَك والطِّب والهندسة المعماريّة والزّخرفة والملاحة. والعملُ على إعادة هذه الحضارة ونشرِها بين شعوب العالم هو الهدف الذي على المسلمين السَّعي إليه اليوم، بدل الانغماس في الصّراعات التي يحرِّكها أعداء الإسلام لاستمرار سيطرتهم السِّياسيّة والاقتصاديّة على العالم.
ويمكن تلخيص الموقع الحضاريِّ الذي أراده الإسلام لهذه الأُمَّةِ على مَرِّ الأزمان بالآية القرآنيّة الشّريفة وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، لِتَكونوا شًهَداءَ على النّاسِ، ويَكونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً، البقرة: ٤٣).
وتَنافس الأمم اليوم في صنع الحضارة يتطلَّب من المسلمين العمل على إعادة الحضارة الإسلاميّة لتنظيم العيش على ظهر هذا الكوكب وإلاّ فستَعُمُّهُ الفتنة والفساد كما جاء في قول الله عزَّ وجلّ: والّذينَ كَفَروا بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ، إلاّ تَفْعَلوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبيرٌ، الأنفال: ٧3.



المطلب الخامس : انعكاس الحضارة على الواقع
إنّ دراسة أحداث التّاريخ أمرٌ مفيدٌ جدّاً في استلهام بعض أساليب منع الفتنة ابتداءً، أو حصرِ انتشار نارها قبل اتِّساعها. ومن الأهمّ في هذا الأمر دراسة مرحلة بدء الدّعوة الإسلاميّة، أي العودة إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وسُنَّة نبيِّه صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لاستخراج كيفيّة التّعامل مع الأزمات، وليس العودة إلى ما جرى بعد وفاة الرّسول صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وصولاً إلى ما يجري اليوم. ولا يعني هذا عدم الاستفادة من مرحلة ما بعد الوفاة إلى اليوم، ولكنّه يعني أنَّ كلَّ أمرٍ نستلهِمه من التّاريخ يجب عرضه على كتاب الله عزَّ وجلَّ وسُنَّة رسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لدراسة صحَّته من عدَمها، وبالتالي صحَّة استخدامه من عدَمها. ومن الأمثلة على ما يمكن استلهامه من التّاريخ الأمثلة التّالية على أهمية الوَحدة بين المسلمين:
1 – عندما حاول بعض "اليهود" بثَّ الفُرقة بين "الأنصار" بتذكيرهم بصراعاتهم في الجاهليّة بين فِئَتَيْهِمْ "الأوسِ" و"الخزرج"، خرج رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من بيته مُهرولاً، وهو يَلبَس عباءته على الطّريق، لإطفاء الفتنة في مهدها، قائلاً للأنصار: (يا مَعْشَرَ المُسْلِمينَ، اللهَ الله، أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ، بَعْدَ إذْ هَداكُمُ اللهُ إلى الإسِلامِ، وأكْرَمَكُمْ بِهِ، وقَطَعَ عَنْكُمْ أمْرَ الجاهِلِيَّةِ، واسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنَ الكُفْرِ، وألَّفَ بَيْنَ قُلوبِكُمْ، تَرْجِعونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفاراً؟!). وأنزل الله عزَّ وجلّ: يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا إِنْ تُطيعوا فَريقاً مِنَ الَّذينَ أوتوا الكِتابَ يَرُدّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفيكُمْ رَسولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ، آلُ عِمران:100-101.
2 – صبَر المسلمون، منذ المرحلة المكِّيَّة، على ما واجَهوه من اضطهادٍ وتعذيبٍ بانتظار النَّصر.
3 – إنّ الإيمان بالله، والاعتماد عليه وَحْدَه، ووَحْدَة الكلمة بين المسلمين، كانا أهمَّ أسباب انتصار المسلمين على "الفرسِ" و"الرّومِ" وإزالة دولتَيْهِما.
4 - صلّى "أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالبٍ" رضي الله عنه على قتلى الفريقين في الفتنة، وقال عنهم: "إنّه من قاتَل فقُتِل، وهو لا يريد بقتاله إلاّ الحقّ، ولا يبغي إلاّ رضى الله، فهو شهيد"، مما يدلُّ على إيمانه بأنّهم كانوا يقاتلون تَعَبُّداً، لا عِناداً وشَهوة، ولا شِفاء خصومةٍ قديمةٍ أو حقدٍ دفين.
5 - حاول "ملك الرّومِ" انتهاز فرصة انشغال المسلمين في القتال، بين بعضِهِمُ البعض في موقعة "صِفّين" بين "عليٍّ" و"معاويةَ" ، لغزو بلاد "الشّام"، فكتب إليه "معاويةُ": "والله لَئِنْ لم تنتهِ وترجع إلى بلادك يا لعين، لأَصْطَلِحَنَّ أنا وابن عمّي عليك، ولأُخْرِجَنَّكَ من جميع بلادك، ولأُضَيِّقَنَّ عليكَ الأرضَ بما رَحُبَت". فعاد "ملك الرّومِ" عن عزمه.
6 – منع "أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز" رضي الله عنه وُلاتَهُ على الأقاليم من قتل أيِّ أحدٍ قبل الرّجوع إليه، حتى ولو كان مستحقّاً لحدِّ القتل، مع اتّساع رُقعة دولته، وذلك تجنُّباً لحساب الآخِرة، بمسؤوليَّته عن الأمَّة، عن كلِّ دمٍ يُهرق، هل كان بحقٍّ أم بباطل؟ بينما اليومَ يستسهل الجميع القتل، حكّاماً ومحكومين، خاصَّةً في الفتن، وهو ما أشار إليه الرّسول صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم في أحاديثه المستقبليّة بقوله: (وَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ، لا تَذْهَبُ الدُّنْيا حَتّى يَأْتِيَ عَلى النّاسِ يَوْمٌ لا يَدْري القاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلا المَقْتولُ فِيمَ قُتِلَ). فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: (الهَرْجُ، القاتِلُ وَالمَقْتولُ في النّارِ)، رواه مسلم.
7 – ثَبَتَ "الإمام أحمد بن حنبل" رحمه الله على الحقّ في موقفه من "محنة خَلْقِ القرآنِ" رغم بقائه لوَحْدِه في مواجَهتها حتى زوالِها، بعد استشهاد علماءَ آخَرين فيها، وسكوت معظم الباقين خوفاً من السَّجن أو القتل.
8 - اهتزَّ العالَم الإسلاميّ، رغم الاختلاف بين أفراده، من أقصاه إلى أقصاه، لسقوط "الخلافة العثمانيّة"، حزناً عليها وعلى ما سيلي هذا السّقوط من انهيارٍ وتقسيمٍ للأمَّة. واهتزَّ العالَم الإسلاميّ، من أقصاه إلى أقصاه، رغم الاختلاف بين أفراده، مع انتصار "الثّورة الإسلاميّة في إيران"، أمَلاً في تسريع مسيرة الصّحوة الإسلاميّة، التي كانت إرهاصاتها قد بدأت تظهر قبل ذلك الانتصار بسنواتٍ في عددٍ من دول العالَمَيْنِ العربيِّ والإسلاميّ.
المبحث الثاني: سبل التقريب وتحدياته
المطلب الأول: تحقيق التعايش والسلم الاجتماعي من خلال التقريب
لا بُدَّ، حتى يعيش المجتمع الإسلاميُّ سِلماً اجتماعيّاً، من معرفة هذا المجتمع لماهيَّة الخلافات بين فئاته وكيفيَّة التَّخفيف منها والعيش بسلامٍ مع باقيها. وأوَّلُ هذه المعرفة الإدراك أنّ حَلَّ مشكلة الخلاف بين السُّنَّة والشّيعة هو حَلٌّ غير موجود، فما فشل فيه المسلمون عبر القرون من توحيد الفئتين، لن ينجح فيه المسلمون الآن، إلاّ أن يشاء الله. ولهذا على المسلمين اليوم عدم تكبير أحلامهم في محاولاتهم لتوحيد الفئتين، وإنّما عليهِم العمل للوصول إلى هدنةٍ طويلةٍ، خاصَّةً بين العامَّة، قائمةٍ على فَهْمِ الآخَرِ وتَقَبُّلِ آرائِه رغم خلافهم معه عليها، ليتمَّ الانتقال منها إلى التّعايش وصولاً إلى السِّلم الاجتماعيِّ الذي عاشت فيه الفئتان معظم الوقت عبر القرون. ويتمُّ هذا الأمر، بإذن الله الكريم، بنشر فكر التّقريب اعتماداً على الكتاب والسُّنَّة ومواقف العلماء الثُّقاة، وممّا قاله بعض هؤلاء العلماء:
1 - قال "الشَّيخ عبد الرّحمن الكواكِبيّ": "إنَّ الاختلافات الموجودة في الشّريعة ليست كما يُظنُّ شاملةً للأُصول، بل أحكامه صريحةٌ قطعيَّةُ الثُّبوت قطعيَّةُ الدَّلالة، أو ثابتةٌ بإجماع الأُمَّةِ الذي لا يُجَوِّزُ العقل فيه أن يكون عن غير أصلٍ في الشّرع. أمّا الخلافات فإنّما هي في فروع تلك الأُصول، وفي بعض الأحكام التي ليس لها في القرآن أو السُّنَّة نصوصٌ صريحة، وجاحِدُها لا يُكَفَّرُ باتّفاق الأئِمَّة، بل المتخالِفون لا يُفَسِّقُ بعضُهم بعضاً إذا كان التَّخالف عن اجتهاد، لا عن هوى نفسٍ أو تقصيرٍ في التَّتَبُّعِ الممكِن للمقيم في دار الإسلام".
2 – قال "السَّيِّد مُحسن الأمين": "إنّ المُغالين في الحبّ هم الرّوافِض، وإنّ المُغالين في البُغض هم النّواصِب، وأنّه لم يبقَ من هؤلاء ولا أولئك شخصٌ واحد"، فلماذا إذاً يتصرَّف المسلمون اليوم على أنّ الرّوافِضَ والنّواصِبَ موجودون اليوم، ويختلفون على ما في بطون الكتب التّاريخيّة التي لا علاقة لها بواقع اليوم؟
3 – قال "السَّيِّد مُحسن الأمين" و"الشَّيخ محمّد حسين آلُ كاشِفِ الغِطاء": "إنَّ مَن يُنكر كلَّ أئِمَّة "آلِ البيت" لا يَخرج من دائرة الإسلام"، فلماذا يجعل المسلمون هذا الأمر اليوم قضيّة؟
4 – قال "الشَّيخ محمّد حسين آلُ كاشِفِ الغِطاء: "ليس كلُّ الشّيعة يَسبّون الصّحابة، وإنّما هو رأيٌ فرديٌّ من بعضِهم، وربَّما لا يوافق عليه الأكثر. والسَّبُّ، ليس موجِباً للكُفر، بل هو معصيةٌ في أقصى الأحوال، أو اجتهادٌ كما حصل من "طلحةَ" و"الزُّبيرِ" و"معاوية"، وهم وإن أخطأوا في اجتهادهم، ولكن لا يَقدَح ذلك في "عدالتهم" وعظيم مكانتهم. وإذا كان الاجتهاد يبرِّر، ولا يَستنكِر، قتلَ آلاف النُّفوس من المسلمين وإراقة دمائِهم، فبالأولى أن يبرَّر ولا يُستنكَر معه تجاوُز بعض المتطرِّفين على تلك المقامات المحترمة"، فلماذا يجعل المسلمون هذا الأمر اليوم قضية؟
5 – قال "الشَّيخ محمّد الغزاليّ": "هناك خلافاتٌ علميّة، ومذهبيّة، حَفَرَتْ فَجَواتٍ عميقةً بين المسلمين، وقَطَّعَتْهُمْ في الأرض أُمَماً مُتدابِرة، وهم فى واقع أمرِهم وطبيعة دينهم أُمَّةٌ واحدة. والدّارس لهذه الخلافات يتكشَّف له على عجلٍ أنَّها افْتُعِلتْ افْتٍعالاً وبُولِغَ فى استبقاء آثارِها وتفتيق جراحاتِها، بل فى نقل حزازاتٍ شخصيَّةٍ، أو نَزَعاتٍ قَبَلِيَّةٍ، إلى ميدان العقيدة والتّشريع، وذاك ما لا يجوز بقاؤه إن جاز ابتداءً. ولذلك نحن نرى التّقريب بين هذه المذاهب فرضاً لا بُدَّ من أدائه وأخْذِ الأجيال الجديدة به. كما نرى ضرورة إحسانِ النَّظر في دراسة التّاريخ الإسلاميّ، وتنقِيَتِه من الشّوائِب التي تُعَكِّرُ صفاءَه".
6 - كان لـ "السَّيِّد حسين البْروجُرْدِيِّ" أسلوبه الخاصُّ في العمل على تغيير مسار الحوار بين أهل السُّنَّة والشّيعة، نحو ما يمكن أن يتَّفقوا عليه، وإبعاد الحوار عن المسار الذي لا يمكِن أن يتَّفقوا عليه. وعلى سبيل المثال، فإنَّه لم يكن يطرح مسألة "الخلافة" على الإطلاق في جلساته العامَّة والخاصَّة، في الدُّروس وفي خارج الدُّروس. بل كان يقول في جلساته الخاصَّة: "مسألة الخلافة لا جدوى فيها اليوم لحال المسلمين، ولا داعي إلى إثارتِها وإثارة النِّزاع حولها. ما الفائدة للمسلمين اليوم أن نطرح مسألة من هو الخليفة الأوَّل؟ ما هو مفيدٌ لحال المسلمين اليوم هو أن نعرف المصادر التي يجب أن نأخذ منها أحكام ديننا". ومن هنا كان السَّيِّد يؤكِّد على "حديث الثَّقَلَيْن": (إنّي تارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلّوا أبَداً: كِتابَ اللهِ وعِتْرَتي، وإنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حتى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْض). ولا يكاد يمرُّ شهرٌ على دروسه دون أن يذكُرَ في مناسبةٍ هذا الحديث.
وكان هذا أسلوب "السَّيِّد عبد الحُسين شَرَفُ الدّين" أيضاً، فقد كان يؤكِّد في حواره مع "شيخ الأزهَرِ الشَّيخ سليم البِشْرِيّ": "إنّ دليلَنا على أخذ السُّنَّة من طريق "أهلِ البيت" هو "حديث الثَّقَلَيْن"".
وكان "السَّيِّد البْروجُرْدِيِّ" يتحدّث عن شيوخ "الأزهر" وعن "الشَّيخ محمّد عَبْدُهُ" وغيرهم من علماء أهل السُّنَّة بتقديرٍ وإجلال، كما أنَّه كان يُراجع دائماً كتاب "بداية المجتهدِ ونهاية المقتصِدِ" لـ "ابنِ رُشْدٍ الأندلُسيِّ" باعتباره من أحسن الكتب في الفقه المقارن، وطالما كان الكتاب مفتوحاً أمامه على منضدته، وتَعرَّف طلاّبه على هذا الكتاب عن طريقه.
7 – قال "السَّيِّد عليُّ الخامِنَئِيُّ" ردّاً على سؤالٍ حول حُكم سَبِّ الصَّحابة والخلفاء الرّاشدين: "إنّ أيَّ قولٍ أو فعلٍ أو سلوكٍ، يعطي الحجَّة والذَّريعة للأعداء، أو يؤدّي إلى الفُرقة والانقسام بين المسلمين، هو بالقطع حرامٌ شرعاً"‏. وقال "الدّكتور محمّد سليم العوّا": "إنّ هذه الفتوى تُعَدُّ خطوةً مُهمَّة، ستساهم في إزالة المشاعر السلبيَّة التي تظهر بين وقتٍ وآخَرٍ بين السُّنَّة والشّيعة".
وأقوال العلماء التي وردت أعلاه، هي من خصائص المدرسة الإسلاميّة الأصيلة في التّعامل بين العلماء، والحوار بين المذاهب.
والطّريق الأمثلُ لدعوة العلماء والمفكّرين الإسلاميّين، والمسلمين بشكلٍ عامّ، إلى التّقريب فيما بينهم مع انتمائِهم إلى مذاهبَ سُنِّيَّةٍ أو شيعِيَّة، هو باعتماد "كلمة التّوحيد"، لأنّ الإسلام هو دين التّوحيد، والتّوحيد هو خلاصةٌ لكلِّ المعتقدات والتّعاليم الإسلاميّة، سواءً أكانت فرديَّةً أم اجتماعيّة، لذا نرى أنّ الإسلام يدعو المسلمين إلى أن يكونوا "أُمَّةً واحدةَ" بقول الله عزوجل: إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وأنا رَبُّكُمْ فَاعْبُدونِ، الأنبياء: 92.
المطلب الثاني: أهمُّ تحدّيات التّقريب
خلق الله عزَّ وجلَّ الكون ووضع له سُنناً، ومن هذه السُّنن سُنَّةُ الابتلاء، فقد قال الله سبحانه وتعالى: أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكوا أَنْ يَقولوا آمَنّا، وهُمْ لا يُفْتَنون * ولَقَدْ فَتَنّا الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِم، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذينَ صَدَقوا، ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبين، العنكبوت: 2 - 3، و: ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْه، حَتّى يَميزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيِّب، آلُ عِمران: 179، و: ولَنَبْلُوَنَّكُمْ، حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدينَ مِنْكُم، والصّابِرين، ونَبْلُوَ أَخْبارَكُم، محمّد: 31، و: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ، البقرة: 251، ولهذا فإنّ الابتلاءَ نعمةٌ ورحمةٌ من الله على عباده، ليطهِّرَهم به.
ومن الابتلاءات التي يمتحن الله سبحانه وتعالى بها عباده ابتلاءُ الفتن، ويدفع هذا الابتلاء العامِلين للإسلام بحقٍّ إلى التَّصدّي للفتن ومواجهتها بالسَّعي إلى حجب الدِّماء وتقريب وُجهات النَّظر بين المُختلِفين.
وللأسف، فإنّ بعض المسلمين، من السُّنَّة والشّيعة، يتصرّفون عند أيّ فتنةٍ تواجههم، انطلاقاً من عصبيَّةٍ عمياءَ لمذهبهم، وليس انطلاقاً من الإسلام ودفاعاً عنه، فهم يقاتلون قتالاً أعمى، لفظاً وبالأيدي وبالسّلاح، دفاعاً عن قبيلة السُّنَّة أو قبيلة الشّيعة، وليس عن الإسلام ككلٍّ أو عن مذهبٍ من المذاهب، لأنّ البعض القليل ليس له التزامَا دينيّاً له، وعبادةً وسلوكاً. وبعض علماء المذهبين، للأسف أيضاً، لا يدافعون عن العِلْمِ الذي يحملونه، بل يتَّخذونه مطيَّةً يركبونها لتحقيق الأهداف المطلوبة منهم من دافعي المال السِّياسيِّ لهم، أو لمصالحَ شخصيَّةٍ يحتاجونها من هؤلاء، أو خوفاً من مواجهة جماهيرهم. ولهذا فإنَّ على العلماء الخائفين من مواجهة جماهيرهم الصَّدْعَ بالحقِّ في كلِّ مكانٍ يمكنهم فيه ذلك مهما كان الثَّمن، فرِضا اللهِ عزَّ وجلَّ هو الغاية وليس رضا البشر، وعليهم الاقتداء في ذلك بفِعل "السَّيِّد مُحسن الأمين" في "رسالة التَّنزيه" عندما انتقد الرِّوايات الكاذبة في السّيرة الحُسينيَّة والبدع المخالفة للإسلام المُمارَسة في احتفالات "عاشوراء"، وبفِعل "الشَّيخ محمّد الغزاليِّ" في العديد من كتبه في الرَّدِّ على بعض البدع والمفاهيم الخاطئة المنتشرة بين النّاس.
وكان الجوُّ السّائد عند بدء الدّعوة إلى التّقريب جوّاً مليئاً‏ بالطُّعون والتُّهم والافتراءات وأسباب القطيعة وسوء ظنِّ كلِّ فريقٍ بالآخَر, كما هو الحال الآن، حتى عُدَّ تكوين جماعة التّقريب بين المذاهب بأعضاءَ من المذاهب السُّنِّيَّة الأربعة, إضافة إلى الإماميَّة والزَّيديَّة والأباضية والظاهرية, نصراً‏ مُبيناً وَقْتَها. وقد تمَّت مهاجمة مشروع التّقريب بعد إعلانه، من المتعصِّبين ضيِّقي الأفق من كِلا الفريقين، الذين اعتبروا أنّ السُّنِّيَّ التَّقريبيَّ يُريد أن يجعل من السُّنَّة شيعة, وأنَّ الشّيعيَّ التّقريبيَّ يُريد أن يجعل من الشّيعة سُنَّة. كما هاجمه ذوو الأغراض الخاصَّة السَّيِّئة الذين يجدون في التَّفرُّق ضماناً لبقائهم وعيشهم، ممَّن يُؤَجِّرونَ أقلامهم لسياساتٍ مُفَرِّقَةٍ, لها أساليبها المباشرة وغير المباشرة في مقاومة أيَّة حركةٍ إصلاحيَّة، والوقوف في وجه كلِّ عملٍ يجمع شمل المسلمين ويُوَحِّدُ كلمتهم، مستخدمين في ذلك معلوماتٍ تحمل بعض الحقيقة مع كثيرٍ من التّشويه، ممّا يدخل تحت قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ في اليهود: يُحَرِّفونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ النِّساء: 46، وتحت قولِ الإمام عليٍّ رضي الله عنه: "كَلِمَةُ حَقٍّ أريدَ بِها باطِل"، فما أشبه اليوم بالبارحة.
وتحتاج الأمَّة اليوم، كما في السّابق، للعمل على إنجاح مشروع التّقريب، سعياً للوَحدة بين كلِّ المسلمين, لمواجهة التَّحدِّيات المعاصرة التي باتت تهدِّد فعلاً الهُوِيَّةَ والكِيان الحضاريِّ للأمَّة الإسلاميَّة بجميع مكوِّناتها الاجتماعية والمذهبيَّة، وتسعى إلى حروبٍ طويلةٍ مُفنِيةٍ للسُّنَّة والشّيعة. وممّا يساعد أعداء الأمَّة على إذكاء الفتنة من الدّاخل غياب التَّواصل بين علماء الفئتين، إلاّ فيما ندر، الأمر الذي جعل الحواجز النَّفسيَّة والمعرفيَّة تكبُر وتتعاظم بين علماء وأتباع المذهبَين، ممّا أدّى إلى الجهل المطبِق والمتبادَل بالآخَر المخالِف، وترويج كلِّ طرفٍ خرافاتٍ عن الطّرف الآخَرَ لا أساس لأكثرها في أساس مذهبه. وقد بلغ هذا الجهل حدّاً جعل علماء وأتباع المذهبَين يتبادلون تُهم التَّبديع والتَّفسيق والتَّكفير.
وما ساعد على نجاح مشروع التّقريب وقتها، أنَّ العلماء الذين قاموا به أو ساهموا فيه، تمتَّعوا بانفتاحٍ وسَعَةِ اطِّلاعٍ ورغبةٍ حقيقيَّةٍ في علاج أسباب الاختلاف بين طوائف الأمَّة وفِرَقِها، بسبب المكانة العلميَّة التي وصلوا إليها، وفهمِهِم لأهداف الدّين وأهداف المذاهب، ولم يكونوا مقلِّدين ينقلون نصوصاً دون فهمِ المقصود منها. وهذا الأمر مكَّن هؤلاء العلماء من وضع الاختلافات الفقهيَّة بين المذاهب في إطارها الموضوعيِّ باعتبارها نتيجةَ مبدإ الاجتهاد الإسلاميّ. لذلك دعا القائمون على التّقريب المسلمين إلى نبذ جميع أشكال التَّعصُّب واستبدالِها بالدَّليل العلميِّ والبرهان الجليّ، فليس هناك أيُّ مجالٍ للتّرجيح أو تقديمٍ لاجتهادٍ على آخَرَ, إلاّ باحترام الدّليل العلميّ, وهذا ما دعا إليه الإسلام بقول الله عزَّ وجلّ: قُلْ هاتوا بُرْهانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صادِقين، البقرة: 111، النَّمل: 64.
وعلى الطَّرفين اليوم العودة إلى هذا الأسلوب، أي النِّقاش بالدَّليل العلميِّ والبراهين النَّقليَّة والعقليَّة, للقضاء على مجموعة الخرافات التي يُروِّج لها أتباع كلِّ مذهبٍ عن المذهب الآخَر لتفسيق وتكفير أتباعِه.
ومن المهمِّ نشر فِكر التّقريب عبر أبحاثٍ توضِح كثيراً من الأمور المختلَف عليها، والتي يدخل كثيرٌ منها تحت باب الاجتهاد، بين علماء الطَّرفين، كما فعل دعاةُ التّقريب الأُوَلِ في مجلّة "رسالة الإسلام"، وتبسيط هذه الأبحاث لنشرها بين العامَّة خلال الدّروس الدّينيّة وخُطب الجمعة والمحاضرات ووسائل الإعلام المختلِفة.
وكلُّ عملٍ، ومنه نشر فِكر التّقريب في مواجهة فِكر الفتنة، يلزَمُه إعدادٌ جيّد، بعد الاستعانة بالله، وإلاّ فإنّه سيفشل، وسيواجَه هذا العمل، رغم الإعداد الجيّد له، بعقباتٍ كثيرةٍ وبطعناتٍ من الأمام ومن الخلف. ولكن مهما قلَّ النّاصر في هذه المواجهة، فإنَّ النّصر يأتي من عند الله وليس من عند البشر، ولهذا لا بدّ من مواصلة السّعي، بعد الاستعانة بالله، نحو الهدف، وهو الوَحْدَةُ بين المسلمين، وفي الحدّ الأدنى تخفيف التَّوتُّر بينهم والعمل على منع سفك دمائهم ما أمكن.
وعلى العامِلين في هذا المجال عدم استقلال عددِهم، فالأمر بتوفيق الله أوّلاً، ثمّ بالتّفكير والتّدبير والعُدَّةِ المستخدمة في المعركة، والمثل الواضح على هذا الأمر هو ما فعله "نُعَيْمُ بنُ مَسْعودٍ"، الفَرد، في "غزوة الخندق"، من الإيقاع بين الأحزاب وبين اليهود، وكان هذا الإيقاع من الأسباب الرّئيسة في هزيمة الأحزاب.
وقد كان المسلمون في "مكّة المكرّمة" قِلَّةً في البدء، وكان المقاومون للغَزْوَيْنِ الصَّليبيِّ والمغوليّ، اللَّذَيْنِ تزامنا معاً، قِلَّةً في البدء أيضاً. والقِلَّتانِ المشار إليهما صمدتا وانتصرتا، ولو بالأجيال القادمة وليس بأنفسهما، لأنّهما تَحرَّرتا من الخوف، ومن حبّ الدُّنيا وكراهيَة الموت، ومن الوهن والضّعف، فأصبحتا مُؤْمِنَتَيْنِ صابِرَتَيْنِ مُتَيَقِّنَتَيْنِ بنصر الله. وكان شعارُهما: ولا تَهِنوا، ولا تَحْزَنوا، وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ، آلُ عِمران: 139، وأداؤُهما: لا يَغُرَّنَكَ تَقَلُّبُ الَّذينَ كَفَروا في البِلادِ * مَتاعٌ قَليلٌ، ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وبِئْسَ المِهاد، آلُ عِمران: 196 - 197، ودُستورُهما: إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بأنْفُسِهِمْ، الرَّعْد: 11، ومَنْهَجُهُما: يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا إنْ تَنْصُروا اللهَ يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أقْدامَكُم، محمّد: 7، وعُدَّتُهما: وأَعِدّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومِنْ رِباطِ الخَيْل،ِ تُرْهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكُمْ، وآخَرينَ مِنْ دونِهِمْ لا تَعْلَمونَهُمُ، اللهُ يَعْلَمُهُمْ، وما تُنْفِقوا مِنْ شَيْءٍ في سَبيلِ اللهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وأنْتُمْ لا تُظْلَمون، الأنفال: 60. وكانوا، والله أعلم، من الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم: مِنَ الْمُؤْمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَما بَدَّلوا تَبْديلاً الأحزاب: 23. وثمن الانتصار في مواجهة الفتنة ومواجهة الأعداء كبير، يدفعُه المواجِهون من دمائِهم وأموالِهم وعائلاتِهم وأمانِهم، ورغم هذا يواصلون المسير على نفس الطّريق، لأنّ هدفهم الأسمى هو مرضاة ربّ العالَمين، ومكسَبُهم الأعلى موجودٌ في الحياة الآخِرَة وليس في الحياة الدُّنيا.
ومن أهمِّ التَّحدِّيات التي يواجهُها اليوم عمل التَّقريب المُؤَدّي إلى السِّلم الاجتماعيّ:
1. الهجمة الثَّقافيَّة والإعلاميَّة الغربيَّة.
2.ضَعف المنظَّمات والحركات الإسلاميَّة.
3. إيجاد عداواتٍ وهميَّةٍ في أوساط الأمَّة الإسلاميَّة.
4.إحياء النَّعرات الطّائفيّة.
5.استغلال القيم الإنسانيّة وتحريف مفاهيمِها.
6.ضَعف التَّخطيط ورسم الاستراتيجيّات المُؤَثِّرَة.
7. فتح المجال أمام الفتاوى اللاّمسؤولة.
8. ظاهرة التَّكفير المنتشرة في العالم الإسلامي.
9.كثرة التَّمسُّك بحوادث التّاريخ غير الدّقيقة.
10. تقديم الإسلام للعالم في الإعلام على أنَّه مصدرُ التَّطرُّف.
11.عدم تجهيز العناصر الإسلاميَّة المناسبة للعمل الوَحدويّ.
12.ضَعف الإعلام الإسلاميّ.
13. تغييب دور المرأة المسلمة التي هي مَحضِن التّربية.
ومن المؤكد عن وضع العلاج لكل هذه التحديات هو ان نعمل على الضدية بمعنى الاشياء تعرف باضدادها فالقاعدة تقول (وبضدها تتميز الأشياء)
ويستخدم الغرب اليوم الغزو الثَّقافيَّ والإعلاميَّ مع بعض العسكريِّ في هجومه على المسلمين، بعدما خسر حمَلاتِه العسكريَّة عليهم خلال أكثر من قرنين، وأدرك عجزه عن إلغاء قوَّتِهم بالقتل والهدم والحرق والتّدمير ما دام القرآن في أوساطهم، وما دامت جذور الحضارة الإسلاميَّة الأولى تمتدُّ إليهم. ولهذا قام بتغيير أسلوب عمله، حيث عمل على التَّشكيك في التُّراث والثَّقافة والحضارة والتّاريخ الإسلاميِّ من أجل إبعاد أجيال الأمَّة الإسلاميَّة عن إسلامها وعن واقع تاريخها، وكان لكثيرٍ من المستشرقين الدَّور الكبير في هذا المجال. وكان لليهود والمبشِّرين دورٌ كبيرٌ في دخول المستشرقين إلى بلاد الإسلام حيث أكثروا فيها الفساد، وأسَّسوا لتثبيت تاريخٍ مزيَّف، وأصَّلوا لقواعدَ علميَّةٍ واستنتاجاتٍ مذهبيَّةِ وطائفيَّةٍ لا تَمُتُّ إلى الحقيقة بصِلة. وللأسف، فقد أصبحت كتب المستشرقين مَصادراً لعلماء المسلمين ومُفكِّريهم، يُستند إليها كدليلٍ على صحَّةِ أو عدم صحَّةِ تراثنا الإسلاميّ. وقد أثَّرت هذه الكتب على عقول شخصيّاتٍ كبيرةٍ في المجتمع الإسلاميِّ كان لها دورٌ كبيرٌ في إضعاف البيئة الفكريَّة الإسلاميَّة وإبعاد أنفسِهم والمسلمين عن مناهل الحكمة والعلم والمعرفة الأصيلة المستوحاة من ينبوع الوحي والرِّسالة النَّبويَّة. وشارك في هذا الأمر الإعلام الغربيُّ بالتَّزييف والتَّحريف وبثِّ التُّهم ونشر الإشاعات، على لسان القادة الدّينيّين تارةً والسِّياسيّين تارةً أخرى والمثقَّفين تارةً ثالثة، وعبر نشر مئات الكتب التي تتحدَّث عن انتشار الإسلام بالعنف، والتَّناقضات الفكريَّة في منهجه، وتخلُّفه، وعدم صلاحيَته لهذا العصر.
بينما الإسلام هو دين الحريَّة الدّينيَّة والفكريَّة والأمن والسَّلام والتَّكافل والتَّعاون، ودين الفطرة الإنسانيّة، فالإسلام هو الإنسان والعكس هو الصحيح، وتشير الآيات القرآنيّة إلى ذلك بوضوح: لا إِكْراهَ في الدّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، لا انفِصامَ لَها، وَاللهُ سَميعٌ عَليمٌ، البقرة: 256، ووإذا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أوْ رُدّوها، إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسيباً، النِّساء: 86، وادْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ، إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدينَ، النَّحل: 125.
المطلب الثالث: اقتراحاتٌ عمليَّةٌ لتنفيذ مشروع التّقريب
إنَّ أيَّ مشروعٍ للنُّهوض بأيِّ أُمَّةٍ يتطلَّب عملاً كبيراً يتقاسم تنفيذَه أجهزةٌ رسميَّةٌ ومؤسَّساتٌ وجمعيّاتٌ أهليَّةٌ ونقاباتٌ عمّاليَّةٌ وصولاً إلى أشخاصٍ ذوي تأثيرٍ في أوساطهم، مثل: العلماء، ورؤساء العائلات، وأصحابِ وجاهةٍ مسموعي الكلمة في أوساط سكنِهم وعملِهم، وحتى انتهاءً بالأفراد العاديّين. وبما أنَّ هذا المؤتمر مخصَّصٌ للعلماء بالدَّرجة الأولى، فسيتمُّ الكلام، بإذن الله، فيما يلي عن مَهمَّة العلماء.

أ - مَهمَّة العلماء:
إنَّ من أساسيّات مَهمَّة علماء المسلمين ومفكِّريهم، وهم صفوة الأمَّة الاسلاميّة، عقدُ اجتماعاتٍ لدراسة وسائل التَّقريب ومستلزمات الوَحدة المناسِبة لهذا العصر، ووضع آليّاتِ وخطواتِ تنفيذها العمليّة. وإذا لم يتمَّ هذا الأمر، فإنّ هدف التّقريب المتمثِّل بتشكيل "الأمَّة الواحدة" لن يُكتب له التَّحقُّق، وستكون أعمال وأوراق ومقرَّرات كل المؤتمرات والنَّدوات مجرَّد كلماتٍ تذوب متلاشِيَةً مع الهواء, وسُطورٍ تَجِفُّ آثارُها مع جفاف حِبرها, ثمَّ لا يبقى إلاّ الذِّكرى والإعداد لمؤتمرٍ آخَرَ للدَّفن، وسيكون الحساب على التَّقصير عظيماً يوم القيامة. وبالتّالي، فإنَّ الفرقة والتَّشرذم سيزدادان بين أبناء "الأمّة الواحدة"، وستصل آثارُهما السَّلبيَّة إلى مرحلة كُفر مُسبِّبيهما بنصِّ القرآن الكريم الذي يقول: إِنَّ الَّذينَ فَرَّقوا دينَهُمْ وَكانوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ، إِنَّما أَمْرُهُمْ إلى اللهِ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانوا يَفْعَلونَ، الأنعام: 159، و: مُنيبينَ إِلَيْهِ، وَاتَّقوهُ، وَأقيموا الصَّلاةَ، وَلا تَكونوا مِنَ المُشْرِكينَ * مِنَ الَّذينَ فَرَّقوا دينَهُمْ وَكانوا شِيَعاً، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحونَ، الرّوم: 31 -32.
ومن شروط نجاح هذا العمل إخلاص نِيَّة العامِلين في طاعة اللهِ عزَّ وجلَّ والتزام أوامِره ونواهيه، وإدراكِهم أنَّهم مهما فعلوا للوصول إلى هذه الوَحْدَة، فلن يُفلحوا حتّى يأذن اللهُ عزَّ وجلَّ بذلك، فقد قال اللهُ عزَّ وجلّ: لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَميعاً، ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلوبِهِمْ، ولَكِنَّ اللهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ، الأنْفال: 63.
ويرجع الأمر بالوَحدة بين المسلمين والتّقارب بينهم إلى بدء الدّعوة الإسلاميّة، حيث حضَّ عليها القرآن الكريم بقوله: إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَأنا رَبُّكُمْ فَاعْبُدونِ، الأنبياء: 92، و: إنَّما المُؤْمِنونَ إِخْوَةٌ، سورة الحجرات: 10، و: وَاعْتَصِموا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً وَلا تَفَرَّقوا، آلُ عِمران: 103، ووَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعونَ إلى الخَيْرِ وَيَأْمُرونَ بِالمَعْروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، آلُ عِمران: 104، و: وَلا تَنازَعوا فَتَفْشَلوا وَتَذْهَبَ ريحُكُمْ، وَاصْبِروا إنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرينَ، الأنفال: 46، و: وَلا تَكونوا مِنَ المُشْرِكينَ * مِنَ الَّذينَ فَرَّقُوا دينَهُمْ وَكانوا شِيَعاً، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحونَ، الرّوم: 31 - 32. وعمل العلماء المسلمون عبر التّاريخ على تثبيت هذا الأمر، وزَرْعِ فِكر تَقَبُّلِ الخلاف بين النّاس، والعمل على حلِّ الخلافات التي كانت تحدث بين النّاس أو التَّخفيف من حِدَّتِها.
وأهمُّ مَهمَّةٍ للعامِلين على التّقريب هي العمل على تثقيف النّاس، أو على الأقلّ تثقيف الأفراد الذين يُحرِّكونَ النّاس، بشرح أساسيّات إسلاميّة عدّة وزرْعِها في النّفوس، لتجنُّب الفتن وتخريب السِّلم الاجتماعيّ، ومن هذه الأساسيّات:
1 – ماهيَّة معتقدات ومفاهيم السُّنَّة والشّيعة، ومنها أنَّ الاختلاف في الفقهيّات، هو، في أغلبه، بسبب تَعَدُّدِ الرّوايات عن الرّسول صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، أو اجتهاداتٍ لعلماءَ يمكِن قَبولُها.
2 – رفض الإسلام التَّعصُّب لمذهبٍ، أو قوميَّةٍ، أو لونٍ، أو عالِمٍ، أو حزبٍ، أو حركةٍ، أو تَجَمُّع.
3 – شرح الآيتين التّاليتين: يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ، فتَبَيَّنوا أنْ تُصيبوا قَوْماً بجَهالَةٍ، فتُصْبِحوا على ما فَعَلْتُمْ نادِمينَ، الحُجُرات: 6، و: يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا اجْتَنِبوا كَثيراً مِنَ الظَّنِّ، إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ، الحُجُرات: 12.
4 – شرح آياتٍ وأحاديثَ متعلِّقةٍ بالوَحْدَة بين المسلمين، وعدم التّعاون مع أعداء الإسلام الخارجيّين والدّاخليّين، ومنها: إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وأنا رَبُّكُمْ فاعْبُدونِ الأنبياء: 92، يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذوا اليَهودَ والنَّصارى أوْلِياءَ، بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ، ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّهُ مِنْهُم المائِدَة: 51.
5 - شرح قولِ الرَّسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: (كَفى بالمَرْءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِع)، رواه مُسلم.
6 – شرح قولِ "الإمام عليٍّ" رضي الله عنه: "يُعرَفُ الرِّجالُ بالحَقّ، ولا يُعرَفُ الحَقُّ بالرِّجال".
ومن الأمور المساعدة على تجنيب العامّة الفتن، هو توضيح أساليب الوقوع فيها، ومنها:
1 – قول رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: (كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمانٍ يوشِكُ أَنْ يَأْتي, يُغَرْبَلُ النّاسُ فيهِ غَرْبَلَة, وَتَبْقى حُثالَةٌ مِنَ النّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهودُهُمْ وَأَماناتُهُم, فاخْتَلَفوا وَكانوا هَكَذا)، وَشَبَكَ بَيْنَ أَصابِعِه. قالوا: كَيْفَ بِنا يا رسولَ اللهِ إذا كانَ ذلك؟ قال: (تَأْخُذونَ بِما تَعْرِفونَ وَتَدَعونَ ما تُنْكِرون, وَتُقْبِلونَ على خاصَّتِكُمْ وَتَذَرونَ أَمْرَ عَوامِّكُم)، رواه ابن ماجَة.
2 - قول النَّبيُّ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: (سَيَأْتي على النّاسِ سَنَواتٌ خَدّاعات، يُصَدَّقُ فيها الكاذِب، ويُكَذَّبُ فيها الصّادِق، ويُؤْتَمَنُ فيها الخائِن، ويُخَوَّنُ فيها الأمين، ويَنْطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَة). قيل: وما الرُّوَيْبِضَة؟ قال: (الرَّجُلُ التّافِهُ يَتَكَلَّمُ في أَمْرِ العامَّة)، رواه ابن ماجة.
3 – قول رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: (لَيْسَ مِنّا مَنْ دَعا إلى عَصَبِيَّة، وَلَيْسَ مِنّا مَنْ قاتَلَ على عَصَبِيَّة، وَلَيْسَ مِنّا مَنْ ماتَ على عَصَبِيَّة)، رواه أبو داود.
4 – قول "الإمام عَلِيٍّ" رضي الله عنه: "كُنْ في الفِتْنَةِ كابْنِ اللَّبون: لا ظَهْرٌ فيُرْكَب، ولا ضِرْعٌ فيُحْلَب".
5 – قول "الإمام عَلِيٍّ" رضي الله عنه لأصحابه، وقد سمعهم يسبّون جيش "الشّام" في "صِفّين": "إنّي أكْرَهُ لَكُمْ أنْ تَكونوا سَبّابين، ولكن لو وَصَفْتُمْ أعمالَهُم، وذَكَرْتُمْ حالَهُم، كان أصْوَبَ في القَوْل، وأبْلَغَ في العُذْر، وقُلْتُمْ مكانَ سَبِّكُمْ إيّاهُم: اللَّهُمَّ احْقِنْ دِماءَنا ودِماءَهُم، وأصْلِحْ ذاتَ بينِنا وبينِهِم، واهْدِهِمْ من ضَلالَتِهِمْ حتّى يَعْرِفَ الحَقَّ مَنْ جَهِلَه، ويَرْعَوي عن الغَيِّ والعُدوانِ مَنْ لَهَجَ به"، نهج البلاغة.
6 – حوار "عبد الله بن عبّاسٍ" رضي الله عنهما مع قسم من الخوارِج، ورَدُّهُ على أشياءَ كانوا يأخذونها على "الإمام عَليٍّ" رضي الله عنه، حيث اقتنعوا برَدِّهِ وأوقفوا الحرب وعادوا إلى إمرة "الإمام عليٍّ" رضي الله عنه.
7 – قول "الإمام زَيْنِ العابِدينَ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ" رضي الله عنهما: "العَصَبِيَّةُ التي يَأْثَمُ عليها صاحِبُها، أنْ يَرى الرَّجُلُ شِرارَ قَوْمِهِ خَيْراً مِنْ خِيار قَوْمٍ آخَرين، وليسَ مِنَ العَصَبِيَّةِ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَه، ولكن مِنَ العَصَبِيَّةِ أنْ يُعينَ قَوْمَهُ على الظُّلْم".
8 – جواب "أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز" رحمه الله عندما سُئِلَ عن فتنة "عَلِيٍّ" و"معاويةَ" رضي الله عنهما حيث قال: "تلكَ دِماءٌ طَهَّرَ اللهُ أيدينا منها، فنُطَهِّرُ ألْسِنَتَنا عنها".
9 – حوار "أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز" رحمه الله مع بعض الخوارج، وإفحامِهم بحُجَجِه، حيث اقتنعوا وأوقفوا الحرب وعادوا إلى إمرته، وكانوا حوالي 000ر4 مقاتل، فكم مليوناً أحفادهم اليوم ضمن المسلمين بدل أن يكونوا على المسلمين؟
ب - مخاطبة العامَّة:
إن مخاطبة العامَّة، الذين هم وَقود الفتنة، تحتاج إلى ضوابطَ منها:
1 – التّعامل معهم بتواضعٍ، وليس بالفوقيّة العلميّة أو المناطقيّة.
2 - مراعاة طبيعة تركيبتهم، من حيث الأفكار والبيئات والعادات، وخلفيّات التّصرفات الشّخصيّة والعامّة والقَبَلِيَّة والسِّياسيّة وغيرها، والتّعامل معها حَسْبَ الحاجة، بمراعاة ظروف كلّ شخصٍ وبيئةٍ ومنطقة.
3 – عدم مخاطبتهم بما لا تحتمله عقولهم، أو بما يمكن أن يسيئوا فهمه أو استخدامه. قال "عليّ بن أبي طالبٍ" رضي الله عنه: "خاطبوا النّاس على قَدْرِ عقولهم، أتُحبّون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟". وقال رضي الله عنه أيضاً: "حَدِّثوا الناس بما يَعرفون، أتُحِبّونَ أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟"، رواه البخاري. وقال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: "ما أنتَ بمُحَدِّثٍ قوماً حديثاً لا تَبْلُغُهُ عقولُهم، إلاّ كان لبعضِهم فتنة"، رواه مُسلم. وهذه الأقوال تعني: إنّه حتى لو كان الخبر صادقاً، فقد يكون كَتْمُهُ، عن أكثر النّاس، ضرورةً لِما فيه من الإشكالات التي قد لا يتمكّنون من فهمها، أو لما يترتّب على نشره من الآثار الضّارّة لمن لا يُحْسِنُ فهمَه فيتسبَّبُ بفتنة.
4 - عدم الانجرار إلى ما يريدونه من المجادَلة للمجادَلة، أو لإحجاج الطّرف الآخَر فقط دون بحثٍ عن الحقّ، فقد قال الله سبحانه وتعالى: وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلونَ قالوا سَلاماً الفُرقان: 63.
5 - البحث عن نقاطٍ مشتركةٍ بين الطَّرفين لتعميمها، وكمثالٍ على ذلك: إنَّ الاتِّفاق على الإيمان بالله بين المسلمين والنّصارى واليهود هو أمرٌ واقعٌ مشترك، ولذلك يمكن التّعاون معاً في مواجهة الملحِدين، بغضِّ النّظر عن اختلافِ كيفيّة الإيمان بالله بين الأطراف الثّلاثة، وكذلك هناك نقاطٌ كثيرةٌ تجمع السُّنَّة والشّيعة معاً يمكِن العمل عليها للتّقريب بين عامَّة الطّرفين.
6 – استخدام أسلوب تحطيم نقاط ارتكاز الفكر الدّاعي للفتنة، وكمثالٍ على ذلك: في حوارٍ حصل منذ مئات السِّنين بين مجموعةٍ تقول بضرورة قراءة المأموم للفاتحة في الصّلاة الجهريّة وأحد العلماء الذي يخالفهم الرّأي، قال العالِم: "لا أستطيع أن أحاوِرَكم جميعاً، ولكن انتدبوا منكم شخصاً يمثّلكم أحاوِرُه". فقالوا: فلان. فقال: "إذا غلبني في الحوار فقد غلبتُموني جميعاً، وإذا غلبتُه فقد غلبتُكم جميعاً؟". قالوا: نعم. قال: "هذا هو الجواب، فالإمام ينوب عن الجميع في قراءة الفاتحة". وبهذا أنهى الحوار قبل أن يبدأ، وأفحمهم بإجابة لا تَقْبَلُ الرَّدَّ عليها بسهولة.
ومثالٌ آخَر: سَأل رجل "عمر بن قيسٍ" عن الحصاة يجدها الإنسان في ثوبه، أو في خُفِّه، أو في جبهته من حصى المسجد. فقال: "ارْمِ بها". فقال الرّجل: زعموا أنّها تصيح حتى تُرَدَّ إلى المسجد. فقال: "دعها تصيح حتى ينشقَّ حَلْقُها". فقال الرّجل: سبحان الله! ولها حَلْق؟ قال: "فمن أين تصيح؟". وبهذا الجواب حطّم "عمر بن قيسٍ" الفكرة من أساسها، بمخاطبة الرّجل على قَدْرِ فَهمه وعقله. وهذا ما يسقط فيه غالبيّة العامِلين في الحقل الإسلاميّ، من حيث أنّهم يتعاملون مع العنوان دون المضمون، مع الواجهة دون الأساس، ممّا يسبِّب تراكم الخلافات وانتقالها من جيلٍ إلى جيل، ومن قرنٍ إلى قرن، مع كِبَرِ حجمها المبنيِّ على شيءٍ بسيطٍ كان يمكن حلُّه لو كان هناك عقلاء.
7 – نشر معلوماتٍ دينيَّةٍ وتاريخيَّةٍ مفيدةٍ بينهم، لأنّ غالبيَّتهم لا تعرف شيئاً عن الدّين ولا التّاريخ.
8 – تدريبهم على رَدِّ الأخبار والشّائعات إلى أولي الأمر ليتمَّ تمحيصُها وبيان الحقِّ فيها، فقد قال الله سبحانه وتعالى: وإذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعوا بِهِ، ولَوْ رَدّوهُ إلى الرَّسولِ وإلى أولي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَسْتَنْبِطونَهُ مِنْهُمْ، ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلاّ قَليلاً، النِّساء: 83.
9 – تعريفهم بالموقف الإسلاميّ الصّحيح في الأحداث التي يواجِهونها في أوطانِهم.
10 – ربطُهم بقضيَّةٍ إسلاميَّةٍ، لأنَّ ضَياع الجماهير وانحرافَها مع المنحرفين يعود إلى افتقادها هدفاً ما تسعى إليه غير الرّاحة في الحياة اليوميّة، والقضيَّة الأساس التي تجمع المسلمين اليوم هي قضيّة "تحرير المسجد الأقصى". ولهذا يجب ربط الجماهير بالقضيّة المطروحة عقائديّاً، وليس بالخدمات الاجتماعيّة والسِّياسيّة، لأنّه إذا توقّفت هذه الخدمات فستتوقّف القضيّة.
11 – العمل على حلِّ مشكلاتهم، لأنّ مِنَ الأمور التي أسّست لنجاح التّواصل مع الجماهير، في مختلف أنحاء العالم، هو العمل على تأمين حاجاتهم المعيشية إضافةً إلى مخاطَبتهم بما يحتاجونه من توجيه، وذلك بإنشاء المؤسّسات التَّعليميَّة والصِّحِّيَّة والاجتماعيَّة وما شابه. وقد حضَّ الرسول صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم على هذا التّواصل بقوله: (مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ المُسْلِمينَ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ) رواه الطَّبرانيّ.
ج - التَّعليم:
سقط كثيرٌ من المسلمين في أحابيل مؤامرات أعدائهم، لجهلِهم بأحكام دينهم، وانقِيادهم لكلِّ ناعق، دون تدقيقٍ في صحّة كلامه. وكثيرٌ من الأخبار المُؤَدِّيَةِ إلى الفتن، لو توقّف النّاس، ولو للحظاتٍ أحياناً، للتّفكير في صحّتها، لوجدوا أنّها لا يمكن أن تُصدَّق، ولكنّهم صدّقوها بسهولةٍ وانغمسوا في أتون الفتنة، لأنّ الشّيطان لعنه الله، زرع العصبيّة العمياء المنتنة في عقولهم، بعدما تخلّوا عن الالتزام بتعاليم دينهم.
ويقوم بعض علماء السُّنَّة والشّيعة بمهاجمة المذهب الآخَر على الفضائيّات عَقَدِيّاً، وهم لا يعرفون عنه شيئاً فعليّاً، بل ينطلقون من عناوين عامَّة، مستخدِمين ألفاظاً وتعابيرَ وأحكاماً تزيد الفتنة. وليس المطلوب هنا الدّفاع عن المذهب الآخَر، فمن المؤكّد استمرار عدم الالتقاء بين المذهَبَيْنِ نظراً لمنطلقات كلٍّ منهما، ولكنّ المقصود التّنبيه إلى تأثير كلام هؤلاء على مُستَمِعيهم وانعكاسه في توتُّرِهم وُصولاً إلى اشتباكاتٍ فرديّةٍ في الطّريق إلى المذابح، وتشهد ساحات "العراق" و"لبنان" و"باكستان" على هذا الأمر. وما يحصل الآن من ذبحٍ على الهُوِيَّةِ سينتهي بعد فترةٍ من الزّمن بإذن الله كأنّ شيئاً لم يكن، كما حصل في كثيرٍ من الأماكن عبر التّاريخ بين السُّنَّة والشّيعة، وكما حصل بين المسلمين والنّصارى منذ سنواتٍ، ليست بالبعيدة، في "لبنان" و"البوسنة" مثلاً. ولذلك فإنّ المطلوب تهدئة النّفوس لا شحنُها، فلا أحدَ إلاّ اللهُ بإمكانه رَدُّ العوامّ عن الفلتان بعد شحنِهم.
وانتشار المعرفة بين النّاس يقلِّص حجم التَّقليد المتوارث دون علمٍ أو دليل، ‏ويقلِّص حجم الأكاذيب والأساطير والافتراءات التي يروِّج لها بعض أتباع المذاهب نُصرةً لمذهبِهم.
ولهذا فإنَّ على العلماء السَّعي لزيادة عِلمهم وثقافتهم، وخاصَّةً حول المواضيع الخلافيَّة، ثمَّ نَقْلَ هذا العلم وهذه الثَّقافة تدريجاً، من تلامذتهم إلى عامَّة الناس، ومن الأمور المطلوبة في هذا المجال:
1 – إدراك أنَّ عمود مبدإ السِّلم الاجتماعيِّ هو نظام التّعليم، ولهذا فإنَّ الاستثمار في تعليم الأطفال هو في صلب عمليّة الاستثمار في تأسيس سِلْمٍ اجتماعيٍّ يوصل إلى عالمٍ آمِن.
2 - إدخال ثقافة التَّقريب ضمن المناهج الدِّراسيَّة في كافَّة المستويات.
3 - إصدار كتبٍ ومنشوراتٍ دوريَّةٍ لنقل مبادىء التَّقريب وأفكاره، بمستوياتٍ مختلِفةٍ وبلُغاتٍ متعدِّدة، تتوجَّه إلى النّاس كافَّة، بدءاً بالعلماء وانتهاءً بالعامَّة.
4 – نشر معلوماتٍ تاريخيَّةٍ مفيدة، لأنّ غالبيّة النّاس، بمن فيهم كثيرٌ من العلماء، لا تعرف شيئاً عن التّاريخ.
5 - إعداد برامج إذاعيَّةٍ ومرئيَّةٍ تتناول مواضيع الوَحْدَة الإسلاميّة والتّقريب بين المذاهب والتّعايش المشترَك، مع إيراد أمثلةٍ قديمةٍ ومعاصِرةٍ عن الموضوع.
6 - الابتعاد في أبحاث الجامعات والمؤتمرات والمحاضرات وخُطَبِ الجمعة والمناسبات والكتب، عن صيغة الهجوم والدّفاع، واعتماد صيغة البحث والتّحليل للقضايا المطروحة، لأنَّها تُوَسِّعُ المدارك والأفهام، وبالتالي تُخَفِّفُ من الاحتقان وتدعو إلى التّعايش، مع وضع أمثلةٍ تاريخيّةٍ ومعاصرةٍ تدعم هذا الأمر.
7 – تعميم اللّغة العربيّة بين كلّ المسلمين، لأنَّ في إحيائِها إحياءً للوَحْدَة بإذن الله، لأنّها لغةُ القرآن الكريم، وكانت لغةَ معظم أرجاء العالم الإسلاميِّ عبر التّاريخ، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: (يا أيُّها النّاس: إنَّ الرَّبَّ رَبٌّ واحِد، وإنَّ الدّينَ دينٌ واحِد، ولَيْسَتِ العَرَبِيَّةُ بأَحَدِكُمْ مِنْ أَبٍ ولا أُمٍّ، فإنَّما هِيَ اللِّسان، فَمَنْ تَكَلَّمَ بالعَرَبِيَّةِ فَهُوَ عَرَبِيّ)، رواه المُتَّقيُّ الهنديُّ في "كنز العُمّال".
8 - الاهتمام بتعليم وتوجيه من يتصدّى للفتوى في المسائل الخلافيّة، وهو لا يدري كيف يُفرِّق بين الاختلاف المسموح به، الذي يقوم به العلماء، والاختلاف المذموم، الذي يقوم به طلاّب العلم الذين يظنّون أنفسهم علماء، وخاصَّةً تعليمهم آداب طالب العلم في إنكار المنكر وفي التَّعامل مع مسائل الاختلاف، وأحكام ضوابط التّفريق بين الخلافين المسموح به والمذموم.
9 – زرع قاعدة "الإمام الشّافعيّ": "رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأٌ يحتمل الصّواب"، في نفوس العلماء بالدّرجة الأولى، ثم عامّة النّاس.
10 – الانتباه إلى أنّ أساس تنشئة الفَرد على تَقَبُّلِ فِكر الآخَر هو التَّوجيه بالقُدوة، لا بالقول فقط، أي أنَّ على المُوَجِّهِ أن يلتزم هو أوّلاً بما يقول، حتى يلتزم المُوَجَّه، وإلاّ فإنَّه سيكون يتكلّم في فراغٍ ولن يستفيد منه أحد، وسينطبق عليه قول الشّاعر "أبو الأسود الدُّؤْلِيّ":
يا أيُّها الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غيرَهُ هلاّ لنفسِكَ كانَ ذا التَّعْليمُ
د - التّعامل بين علماء الطّرفين:
إنَّ على علماء الطّرفين العمل عى ما يُوَحِّدُ بينهم، وليس ما يُفَرِّقُ بينهم، ومن قواعد هذا الأمر:
1 - الاهتمام بالقضايا الكبرى التي تهمُّ الأمَّة، بدل التَّخَبُّطِ في جُزئيّاتٍ فرعيَّةٍ لا طائل من ورائها سوى تعميق حالة التَّشرذم بين أبناء المجتمع الواحد بل الأسرة الواحدة.
2 - توجيه العلماء إلى أنّ الانشغال بمواجهة الهجمات المعادية للإسلام ، فهو الأهمّ في هذه الظّروف التي يعيشها العالم الإسلاميّ اليوم، وليس الانشغال في الخصوصيّات المذهبيّة والفرعيّات الفقهيّة والآراء الاجتهاديّة، التي أُشْبِعَتْ بحثاً عبر التّاريخ ولم تصل الآراء فيها إلى رأيٍ مُوَحَّد.
3 – إدراك أنَّ دعوة غير المسلمين إلى الإسلام أهمُّ من الخلاف بين الطّرفين.
4 – الاتِّفاق على تعريفٍ واحدٍ للمصطلحات المستخدَمة في الحوار بين الطّرفين، حتى لا يحدث سوءُ فهمٍ وخلافٌ على أمرٍ متَّفقٍ عليه في الأساس ولكن اختلفت مصطلحات التَّعبير عنه.
5 - العمل بناءً لقاعدة: "نتعاون فيما اتّفقنا عليه، ويعذُر بعضُنا بعضاً فيما اختلَفنا فيه".
6 – العمل على منع خطباء الفتنة من اعتلاء المنابر، وتعميم كلام خطباء التّهدئة.
7 - نشر فتاوى التّهدئة، ومنعِ التَّهجُّم على الآخَر بشكلٍ واسعٍ وعبر كلِّ الوسائل الممكِن استخدامُها.
8 – تشجيع اللّقاءات بين الفعاليّات الإسلاميّة العلميّة من الطّرفين، لتعميق التّعارف وإيجاد علاقاتٍ صحيحةٍ متينةٍ بإذن الله.
9 – العمل على حلِّ مشكلة خوف غالبيّة علماء الطّرفين من مواجهة الجماهير، إذا أرادوا تصحيح المفاهيم الخاطئة التي نشأت عليها الجماهير.
10 - عدم الارتجال في أخذ القرارات، خاصَّةً عند الأحداث المفاجئة، والقرارات المصيريّة، وبدء مشاريع أعمالٍ معيّنة، فكلُّ هذا يلزمه دراسةٌ متأنِّيَة، ولو كان الوقت قصيراً، لاتّخاذ القرار المناسب بإذن الله حتى لا يتمَّ التَّسبُّبُ بمشكلةٍ أكبرَ من المشكلة المطلوب معالجتها.
11 – إن العمل في المشترَكات بين أطراف المذهب الواحد، ومع أطراف المذهب الآخَر، وليس في المختَلَفات، هو الأمر المطلوب، وليس تحويل أفراد مذهبٍ من المذهَبَين إلى المذهب الآخَر، لأنّ التَّحوُّلَ مسألةُ اقتناعٍ وليست مسألةَ أمرٍ توجيهيّ، أو أمرٍ يُفرض فرضاً. ومن المشترَكات التي يجب العمل عليها: التّعاون في الأمور الدّعويّة والثّقافيّة والاجتماعيّة والتّربويّة وكافّة الأمور الحياتيّة اليوميّة التي تهمُّ أفراد الأمَّة، مع تجنُّب طرح الاختلافات الدّينيّة إلاّ في مجالسَ خاصَّةٍ مغلقةٍ هدفها التَّعلُّم والمناظَرة العلميّة، وليس الجدل العبثيّ.
12 - مواجهة التَّطرُّفين السُّنِّيِّ والشّيعيّ، داخل كلِّ مذهبٍ وتِجاه المذهب الآخَر، عبر الحوار بالأدلّة الشّرعيّة الواضحة المدعّمة بالأمثلة التّاريخيّة والمعاصِرة.
13 – التّركيز على العمل في مساجدَ مختارةٍ لأهميّة مواقِعها.
14 – العمل على توحيد مواعيد الصّيام والأعياد، فإذا كانت كنيستا النّصارى، الكاثوليك والأُرثوذُكس، قد اتّفقتا منذ سنواتٍ على توحيد أعيادِهما، وما بين الفئتين، عقيدةً وفِقهاً، أكبرُ بكثيرٍ ممّا بين السُّنَّة والشّيعة، فما بال فئتا المسلمين بالكاد تتلاقيان؟ ومن النّادر أن يتوحّد صيامُهما وأعيادُهما؟
15– العمل على تنشئة أجيال مثقّفةٍ واعيةٍ لمَهمّتها، لتأطير الناس فكريّاً وليس تنظيميّاً، لأنَّ الشُّعوب تؤطَّر فكريّاً لا تنظيميّاً، بينما الأفراد هم من يؤطَّرون تنظيميّاً في جمعيّاتٍ ومؤسّساتٍ تخدِم الهدف النِّهائيّ.
16- إنّ الوَحْدَة بين السُّنَّة والشّيعة ليست الوَحْدَة الفقهيّة والعِلميّة، ولكنّها وَحْدَة الموقف السِّياسيِّ والجهاديِّ والثَّقافيِّ والاجتماعيّ، فما يجمع الطّرفين أكثرُ ممّا يفرِّقُهما. ولا شيءَ يوحِّد كلمتهم مثل جهاد أعدائهم، ولا شيءَ يفرِّق كلمتهم مثل القعود عن هذا الجهاد، فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: (إذا تَبايَعْتُمْ بالعِينَةِ وأخَذْتُمْ أذْنابَ البَقَرِ، ورَضيتُمْ بِالزَّرْعِ، وتَرَكْتُمُ الجِهادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لا يَنْزَعُهُ عَنْكُمْ حتّى تَرْجِعوا إلى دينِكُمْ)، رواه أحمد وأبو داود، وقال أيضاً: (ما تَرَكَ قَوْمٌ الجِهادَ، إلاّ عَمَّهُمُ اللهُ بالعَذابِ)، رواه الطَّبرانيّ، وقال في حديثٍ ثالث: (ما تَرَكَ قَوْمٌ الجِهادَ إلاّ ذُلُّوا)، رواه الطَّبرانيّ.
هـ - خطورة الخلاف المسيس
إنَّ ما عليه السُّنَّة والشّيعة اليوم من خلافٍ يُحرِّكه أعداء الإسلام كلّما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، هو خلافٌ تاريخيٌّ، يعود إلى القرن الإسلاميِّ الأوَّل، ولا يخلو من أُسُسٍ وركائزَ هي موضعٌ للجدل العلميِّ المستمرِّ منذ ذلك العصر، ولكن هل يجب نقل هذا الخلاف الذي عاشه الأجداد والآباء في الماضي إلى اليوم، حتى يُفسِّقَ المسلمون بعضَهم بعضاً ويُكَفِّرُ بعضُهم بعضاً بسببه؟
إنَّ الإسلام لم يمنع الاختلاف بالرّأي والاجتهاد، ولكنّه نهى عن التّنازع الذي يؤدّي إلى تبديد الطّاقات وإهدار القوى، وما حصل من اختلافٍ بين أبناء ذلك الزّمان هو أمرٌ يَخصُّهم، وهم كانوا أدرى بما حصل في زمانهم وسكتوا عنه، وقد مَضَوْا جميعاً إلى الله بارئِهم الحكمِ العدلِ ليحكُم بينهم فيما كانوا فيه يختلِفون، فما شأن أبناء اليوم في هذا الصّراع ليُعادوا بعضَهم بعضاً، وليُشرِّدوا بعضَهم بعضاً، وليقتلوا بعضَهم بعضاً، وخاصَّةً أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ، لَها ما كَسَبَتْ، وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ، وَلا تُسْئَلونَ عَمّا كانوا يَعْمَلونَ، البقرة: 134، 141. وما أجمل كلمة "أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز" رحمه الله في هذا المجال: "تلكَ دِماءٌ طَهَّرَ اللهُ أيدينا منها، فنُطَهِّرُ ألْسِنَتَنا عنها".
وقد اختلف المسلمون فيما بينهم مرّاتٍ عديدةٍ عبر التّاريخ، لأسبابٍ دينيَّةٍ أو سياسيَّةٍ أو مصلحيَّة، ليس بين أتباع مذهَبَيِ السُّنَّة والشّيعة فقط، ولكن بين السُّنَّة أنفُسِهم، وبين الشّيعة أنفُسِهم، ووصلت هذه الخلافات حدَّ عدم تزويج أحدٍ من الفئة المخالفة بالرّأي، وصولاً إلى تكفيرهم، وفي بعض الأحيان إلى قتلِهم.
ولهذا، فإنّه يجب العمل على توحيد المسلمين داخل الصَّفِّ السُّنِّيِّ وداخل الصَّفِّ الشّيعيِّ في الوقت نفسِه الذي يتمُّ العمل فيه على توحيد الفئتين، لأن هذا يعجِّل في توحيد الفئتين ويخفِّف من تصادُمِهِما بإذن الله بشكلٍ أسرع، وحتى يكون تفاهمُهما الوَحْدَوِيُّ من موقع قُوَّةِ الفئتين تِجاه أعداء الإسلام والمسلمين، وليس من موقع ضَعْفِ إحدى الفئتين تجاه الأخرى.
و - أسلوب العمل مع الآخَرين:
لا بُدَّ لأيِّ عملٍ من دراسة الأساليب المناسبة لنجاحه، ومن أساليب نجاح عمل التّقريب ما يلي:
1 – إنَّ أهمَّ أسلوبٍ للتّعامل مع الآخَرين، هو الأسلوب الذي دعا الله عزَّ وجلَّ المسلمين إلى اعتماده، وهو: ادْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، النَّحل: 125، ومرجعيَّتُه: قُلْ هاتوا بُرْهانَكُمْ، البقرة: 111، الأنبياء: 24، النمل: 64، ومنطلَقُه: وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكونوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً، البقرة: 143.
2 – قال الله سبحانه وتعالى: ولا تُجادِلوا أهْلَ الكِتابِ إلاّ بالتي هِيَ أحْسَنُ، العنكبوت: 46، فإذا كان هذا هو أمر الله بأسلوب الحوار مع أهل الكتاب، فكيف مع المسلمين؟ ولهذا يجب الحوار بالتي هي أحسن بين الفئتين، عبر التّدقيق في الرّوايات والنّصوص التّاريخيّة لكلٍّ منهما، ونقدِها بطريقةٍ علميَّةٍ غير تحريضيّة، لتحطيم القَصص الكاذبة والمتهافِتة عِلميّاً، كتعصّب بعض السُّنَّة الأعمى دون تدقيقٍ لـ "يزيد"، وتعصُّب بعض الشّيعة الأعمى دون تدقيقٍ لمحتويات بعض روايات "السّيرة الحُسينيَّة".
3 - إنّ على العاملين في مجال التّقريب عدم الإستخفاف بإمكانيّاتهم، فرُبَّ شخصٍ يكون سبباً في تغيير مسير أمَّة، وما فعلَهُ "نُعَيْمُ بن مَسْعودٍ"، الفَرد، رضي الله عنه في غزوة "الخندق"، من الإيقاع بين أحزاب المشركين واليهود، كان له أكبر الأثر، بعد الرّيح التي أرسلها الله عزَّ وجَلّ، في هزيمة الأحزاب وحلفائهم اليهود. ولْيَتذكَّروا قولَ الله عزَّ وجلَّ لنبيِّه صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: فَقاتِلْ في سَبيلِ اللهِ، لا تُكَلَّفُ إلاّ نَفْسَكَ، وحَرِّضِ المُؤْمِنينَ، النِّساء: 84، ولْيَتذكَّروا قولَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: (المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، وشَبَكَ بَيْنَ أصابِعِهِ)، رواه البخاريّ.
4 – إنّ على العاملين على التّقريب، كما على كلِّ أحدٍ، تذكُّرَ أنَّ المسؤوليّة ليست وجاهةً ولكنّها خِزْيٌ وندامةٌ يوم القيامة إذا لم يُؤَدّى حقُّها الشَّرعيُّ كاملاً، وتذكُّرُ تحذير اللهِ عزَّ وجلّ: وقِفوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤولونَ، الصّافات: 24.
5 – عدم الاستهانة بأيِّ رأيٍ، مهما كان بسيطاً، وبأيِّ اقتراحٍ، ولو جاء من إنسانٍ بسيط.
6 – أن يتمَّ العمل عبر مؤسّساتٍ، وليس عبر أفراد، فالمؤسّساتُ تبقى وتستمرّ ما شاء الله سبحانه وتعالى لها أن تبقى، فيما الأفراد يزولون.
7 – إنَّ أساس العمل هو بناءُ حركةٍ جماهيريَّةٍ لا حزبيَّة، ولكنْ لا بُدَّ لهذه الجماهير من زرع أعضاءٍ فيها مدرَّبين على التَّعامل معها، للتَّمكُّن بعون اللهِ عزَّ وجلَّ من توجيهِها الوِجهة الصّحيحة بعيداً عن الخلاف.
ز - طرق التَّمويل:
إنَّ على القائمين على عمل التّقريب، حتى يبقى العمل خارج أيِّ اتِّهامٍ أو شُبهة، عدمَ قبولِ أيِّ مالٍ، من أيِّ جهةٍ أتى، للصّرف على العمل، قبل التّدقيق في مَصدَره ومدى حِلِّيَّتِه. والاعتماد على تبرّعاتٍ، غيرِ مشروطةٍ وغيرِ سياسيّة، من أفرادٍ ومؤسّسات. إضافةً إلى العمل على إنشاء مؤسّساتٍ لتأمين مَصادِرِ تمويلٍ ذاتيٍّ لكلِّ عملٍ مطلوب.
ومن قواعد هذا الأمر:
1 – أن لا يأتي المال من جهةٍ سياسيّةٍ، أيّاً كانت، مَحَلِّيَّةً أو خارجيّة، لأنّ العمل سيرتبط في نظر النّاس بهذه الجهة، وسيتعاملون مع العمل على أنّه واجهةٌ للمُمَوِّل، سواءً كان هذا الأمر حقّاً أو باطلاً.
2 – أن لا يأتي المال من جهةٍ تجاريَّةٍ ذات إمكانيّاتٍ واسعة، تجنُّباً لاستخدام هذا المال في الدّعاية لصاحِبها وصولاً إلى أهدافه التِّجاريَّة أو السِّياسيَّة.
3 - أن يأتي المال عبر العلاقات الشخصيّة لمسؤولي العمل وأفرادِه، مالاً غير مشروطٍ، مالاً ذاتيّاً قَدْرَ الإمكان، يعتمد على التبرُّع الحرِّ والاشتراكات الشّهريّة لأعضاء العمل والمناصِرين له، مهما قَلَّ الدَّخْلُ من هذا الطّريق، لأنَّ البركة فيه بإذن الله، بعكس المال الآخَر، فقد قال عليه الصّلاة والسّلام: (سَبَقَ دِرْهَمٌ مائَةَ ألفِ دِرْهَمٍ)، رواه النَّسائيّ.
4 – محاولة تشغيل بعض الأموال في أعمالٍ تجاريَّةٍ وزراعيَّةٍ وصناعيَّة، عبر ضوابطَ تحفظ المال للعمل، مع تعدُّدِ واجهات هذه الأعمال، تجنُّباً لظهور ارتباطها المباشر بالعمل، وذلك لتأمين مدخولٍ ذاتيٍّ غير مشروط.
5 – تدريب العامِلين على مختلف المستويات على ضبط الإنفاق، عبر الصَّرف دون إسرافٍ، والبحثِ عن وسائِلِ تخفيف الصَّرف دون تقتير.
6 – العمل ضمن الإمكانيّات الموجودة، مع محاولة الاستعانة بالعمل التَّطوُّعيِّ في كل مجالٍ يمكن الاستعانة به، توفيراً للنّفقات، ولسدِّ العجز في تأمين اليد العاملة، دون استغلالٍ لطاقات النّاس وتعطيلِها عن عملها اليوميّ، ودون استخدام الحياء في الاستعانة بالنّاس، لأنّ "ما أُخِذَ بسيف الحياء فهو حرام".
الخاتمة
إنَّ عمل التّقريب بين اتباع المذاهب الإسلامية هو عملٌ هامٌّ جدّاً، لأنَّه تنفيذٌ لأمر اللهِ عزَّ وجلَّ بالسَّعي للوَحدة بين المسلمين، ومحاوَلةٌ لمنع سفك دمائِهم التي قال عنها ربُّ العِزَّةِ جَلَّ وعَلا: مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَني إسْرائيلَ أنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَميعاً، ومَنْ أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَميعاً، المائدة: 32، والتي قال عنها رسولُه صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: (مَنْ آذى مُسْلِماً بِغَيْرِ حَقٍّ، فَكَأنَّما هَدَمَ بَيْتَ اللهِ)، رواه الطَّبرانيّ، وقال أيضاً: (قَتْلُ المُؤْمِنِ أعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ زَوالِ الدَّنْيا)، رواه النَّسائيّ.
وإذا لم يتمَّ هذا العمل، الذي هدفه الأسمى "القضاء على الفتنة"، فإنَّ النّاس سيظلّون يعيشون ضائِعين في الحواري والأزِقَّةِ المُعتِمةِ للفتنة، يتْبعون كلَّ ناعِقٍ ليورِدَهُمُ المَهالِكَ وهم لا يشعُرون بها إلاّ بعد فوات الأوان، بدل أن يَخرجوا إلى الشّارع العريض المُنارِ بنور الحقِّ إن شاء الله.
وآخِرُ دعوايَ أنِ الحمد لله ربِّ العالَمين

الشيخ د. خالد عبد الوهاب الملا
رئيس جماعة علماء العراق
ومستشار رئاسة جمهورية العراق